فوائد من دروس الشيخ عبد الكريم الخضير (3)
ثمة فرق بين إشاعة فعل الفاحشة، وبين إشاعة ذكر الفاحشة
من أجل محاربة الفاحشة، فالمرادُ بإشاعة الفاحشةِ حبُّ انتشارها في الناس، وهذا لا
يجوز بحال، لكن إذا كان ذكر الفاحشة لردع صاحبها، والقضاء عليها، فهذا مطلوب، ولا يمكن
أن يُتصوَّر إشاعة الفاحشة من متديِّن، بل يُتصوَّر هذا الفعلُ من فاجر يريد أن يكثر
سواده، ليسهُل عليه أمرها إذا كثر الناس في مثل عمله، وعلى هذا فإن ذكر الفاحشة ليس
من إشاعتها، اللهم إلا إذا كان ذكرها على صفةٍ يُتنبَّه لها بواسطة ذكرِها فيقع فيها
بسبب ذلك من يقع، كأن يُقال: وجدنا في المحل الفلاني كذا وكذا، ويكون في المجلس من
يلتقط هذا الكلام فيذهب إلى ذلك المكان الذي وقعت فيه الفاحشة، فمثل هذا داخلٌ في محبة
إشاعتها، ونحوه أن تكون الفاحشة أمرًا خفيا يسيرا ينبغي الستر عليه، فيشهر بها، فهذا
أيضا من إشاعتها. (من شرح الموطأ).
***
الأصلُ ألَّا يتصدَّق المدين، لكن إذا كانت الصَّدقة
يسيرة لا تُؤثِّر في الدَّين فلهُ أن يتصَدَّق، فمثلا المدينُ بمئاتِ الآلاف لو مرَّ
به فقِيرٌ، وفي جيبِه عشرة فأعطاها إيَّاه، فلا بأس بذلك؛ لأنَّه لو أعطاها الدَّائن
لم يقبلها منه، بل لا يقبل منه ألفًا ولا ألفين ولا ثلاثة آلاف، فالشيء اليسير الذي
لا يضر بالغرماء -كما قرر شيخُ الإسلام- له أن يتصدَّق به، وتُذكرُ قصص عمَّن سُجنوا
بدُيون كبيرة أنَّهم أحسنوا إلى من دخلوا السِّجن بديون يسيرة، فدفعوها عنهم ديونهم
وأخرجوهم من السِّجن، فيُذكر أن أحدهم حُبس بخمسة عشر مليونًا، ورأى في الحبس شيخًا
كبير السن محبوسا في عشرة آلاف، فدفعها عنه، وأخرجه من السجن. (من شرح الموطأ).
***
يسأل بعضهم عن حكم إعطاء الزكوات والصدقات لهؤلاء الذين
لا يُعرف لهم نسبٌ، حيثُ يجمعون في مكان واحدٍ، ويُنفق عليهم، ويُعلَّمون ويُربّون
ويُزوَّج بعضُهم من بعض.
ويسأل بعضُهم فيقول: كفالة الأيتام والعناية بهم أمرٌ
مرغَّب فيه شرعًا، لكن هذا أبواه اللذان هما سبب وجوده موجودان، فلا يصحُّ أن يُقال
عنهم أيتام؛ لأنَّ اليتيمَ من مات أبوه وهو دون التَّكليف، فهل الصَّدقة على هؤلاء
أفضل، أو على الأيتام الذين عُرفت أنسابُهم؟ وهل هم كالأيتام الذين جاءت فيهم النصوص
الصحيحة الصريحة؟
يرى البعضُ أنَّ هؤلاء أولى من الأيْتام؛ لأن اليتيم
له عمٌّ، وله أخ، وله خال، وله أقارب، لكن هذا لا أحد معه، ثم إنَّ اليتيم قد عُرِف
أبوه، وأنَّه مات، أما هذا فليس له أبٌ بالكليَّة، فمن هذا الباب يُعتبر يتيما حقيقةً
وحُكمًا، وحاجته أشدُّ من حاجة اليتيم، فتكون الصدقة عليه من باب أولى أفضل من الصدقة
على اليتيم، وإذا لم يكن أحقَّ بالصَّدقة من اليتيم فليس دونه في ذلك، وهذا القول لَه
وجهُه. (من شرح الموطأ).
***
كان الرسولُ -عليه الصلاة والسلام- يعودُ أصحابه، فعاد
سعدًا وعاد جابر بن عبد الله وهو مغمًى عليه، وترجم له الإمام البُخاريُّ فقال: «باب
عيادة المغْمَى عليه»، وبعضُ النَّاس لا يعود المغمَى عليه؛ لأنَّه لا يعرفه، يُقال
له: إذا لم يعرفك فالله يعرفك، فزره وأجرُك ثابت على الله -جل وعلا- وإن لم يعرفك المغمى
عليه أو المريض، وفي الحديث: «أما علمتَ أنَّك لو عُدتَّه لوجدتَّني عنده» (من شرح
الموطأ).
***
عيادة المريض قال بوجوبها الإمام البخاري -رحمه الله-
كما يظهرُ من تبويبه، ونقل النووي الإجماع على أنَّها سُنَّة، وهو معروفٌ بتساهله في
نقل الإجماع، فعلى الإنسان أن يحرص أشد الحرص على مثل هذه الأمور، ولا شكَّ أنَّ هذا
من علامات التَّوفيق، فكون الإنسان يحرص على عيادة المريض، وعلى زيارة المقابر، وعلى
اتِّباع الجنائز والصلاة عليها، ويحرص على أبواب الخير كلها، هذا كلُّه من العناية
الإلهية لتوفيق الشخص. (من شرح الموطأ).
***
خصال الخير من مثل: عيادة المريض والصلاة على الجنازة
واتباعها حتى تدفن لا تُعوق عن أيِّ أمر من أمور الدنيا فضلًا عن أمور الآخرة؛ لأنَّها
من أمور الآخرة، فبعضُ الناس تجده يحرص يوميًّا أن يصلي في المساجد التي فيها الصلاة
على الجنائز، وبعضُهم لا يرفع بذلك رأسًا، بل تجد بعضَ الناس حاضرًا في المسجد أثناء
الصَّلاة على الجنازة والإمام شرع فيها فلا يقومُ إليها، وبعضُهم نُبِّه ودُعِي إلى
صلاة الجنازة، وبُيِّن له ثواب صلاة الجنازة وأنَّ من صلاها فله قيراط، والقيراطُ مثل
جبل أُحُد، فأجاب بأنَّه صلَّاها أمس، وهذا كسلٌ وحرمانٌ، والحرمان لا نهاية له، وهكذا
فالناسُ مختلفون، كما دلَّ عليه قوله تعالى: [إن سعيكم لشتَّى] [الليل: 4]، فتجِدُ
من تكون الجنازة بين يديه ولا يصلي عليها، وآخر يضرب آباط الإبل للصَّلاة عليها. (من
شرح الموطأ).
***
فما ينفِقُه الإنسانُ على نفسِه بنية التقوِّي على طاعة
الله -جل وعلا أو ما ينفقه على أهلِه يُؤجر عليه، وعلى هذا فإن كثيرًا من الناس محروم
من أجور عظيمة، تجده يخرج في كل شهر من راتبه على قدر حاجة أسرته، وقد تكون المبالغُ
التي يُخصِّصها لهم كبيرة، لكنه لا يستحضر هذه النية، وبعضُ الناس يتحرَّى في مثل هذه
النفقة الأوقات الفاضلة، فيشتري حاجيات رمضان مثلًا إذا دخل رمضان؛ لتكون النَّفقة
في هذا الوقت الفاضِل، وكثيرٌ من الناس يُؤمِّنها قبل رمضان بعدة أيام خشْية الزِّحام،
فبعض الناس ينتبهُ إلى استحضار النيَّة أثناء نفقته، وجلُّهم غافل، والنية إذا استُحضرت
فيها أُجر عليها الإنسان أجرًا عظيما.
(من شرح الموطأ)
***
الحياة للمسلم خير، يزداد بها من الزاد الحقيقيِّ: التَّقوى
والأعمال الصالحة ما يزيدُ في منازِله ودرجاته في الجنَّة.. (من شرح الموطأ).
***
ذهب بعضُهم إلى أنَّه لا يجُوز إهداءُ ثواب أي عبادة
إلا ما ورد فيه النصُّ، وهو قول معتبر عند أهل العلم، وبعضُ هؤلاء قد يُنكر على من
يرى الرأي الأول ويعدُّ إهداء الثواب من البدع، لكن إذا كان من يهدي الثواب قد اقتدى
بمن تبرأ الذمة بتقليده من شيوخه الذي يقولون بهذا الرأي، أو عمل بفتياهم؛ فإنَّه لا
يُلزم بالرأي الثاني، ولا يُنكر عليه، وعلى المرء أن يحرص على ما اتفقت عليه الأمة،
وعلى ما ورد فيه النصُّ في المسائل التي يختلف كلام أهل العلم فيها.. (من شرح الموطأ).
***
شهادة الزور من أكبر الكبائر، ولها مظاهر شتى منها الشَّهادات
في الدوائر الحكومية كالشَّهادة لاستخراج بطاقة الأحوال ونحوها ما لم يكن المشهود له
من المعروفين حقًا للشهود. [من شرح الموطأ].
***
لا يجوز للشاهد أخذ المقابل على شهادته؛ لأن هذا قد
يفضي إلى اتهامه. [من شرح الموطأ].
***
ويظهر من كلام الشيخ أنه يقصد الأداء إذ فيه تتحقق التهمة،
وعلى هذا جمهور أهل العم ثم إن المقصود: الاتفاق المسبق أما العطاء اللاحق من غير اتفاق
أو اشتراط أو نحوهما فلا بأس به كما نص على هذا بعض أهل العلم كما أنه لا بأس بإعطاء
الشاهد أجرة الركوب ونحوها إن كان في حضوره للشهادة كلفة، وأما الأجرة على التحمل فقد
أجازه المالكية والشافعية ومنعه الحنفية.
وعلى صاحب الحق أن يحتاط لنفسه، ويتحقق من هوية الشاهد
ويُدقِّق فيها عند تسجيله شاهدًا، وكذلك عند الإدلاء بشهادته، حتَّى لا يشهد آخر بدلًا
عنه، وعليه أن ينظر فيمن يُشهِده، فيختار للشهادة من تبرأ الذمة بقبول شهادته؛ لأنَّه
قد يُطلب للشهادة عند الحاجة ثُمَّ يُقدح فيه، وقد تُشهِدُ من لا تجدُ إلى إحضاره سبيلاً
عند الحاجة إلى شهادته، ويزيد خطر التساهل في هذه المسألة عندما يكون محل العقد ثمينًا،
ففي هذه الحالة على العاقدين ألا يأتيا بأقرب شاهد أيًا كان ليشهد على العقد مكتفين
بعدالة الظاهر، إذ قد ينشب النزاع بين العاقدين فيحتاج القاضي لمعرفة العدالة الباطنة
للشهود، فيبحث عمن يزكيهم ولا يجد، وقد يعرفهم بعض جماعة المسجد ويشهدون على أحدهم
بأنَّه ليس من مصلي صلاة الفجر، فيضيع الحق بسبب هذا الشاهد غير الكفؤ، فالأمرُ ليس
بالسهل؛ إذ يترتَّب على هذا التساهل هدرُ حقوق، ولهذا ينبغي على كل من البائع والمشتري
أن يحتاطَ لنفسه في هذا الباب. [من شرح الموطأ].
***
الخبرة الباطنة في مسائل القضاء أشدُّ منها في باب الرواية
التي يُحتاج فيها للمزكين، فالشاهد الذي لم يُزكَّ يعتبرُ مجهولًا ولو كان ظاهره الصلاح،
والجهالة تقدح في عدالته [من شرح الموطأ].
***
اعتمادُ القاضي على الظاهر وتساهله في شروط العدالة
في الشاهد من أسباب ضياع الحقوق، وقد سألني شخصٌ في الثَّمانين من عمره لا يكاد يسمع،
فقال: هل من توبة؟ قلت: ما السَّبب؟ قال: شهدتُ قبل خمسين سنة على شخصٍ أنَّه باع أرضَه
على فُلان وهو لم يبع، بسبب رشوة دُفعتْ لي، فأفرغ القاضي الأرض باسم المشتري بشهادة
الشهود. قلت: أهكذا كان هيئتك يوم أُثْبِتتْ شهادتُك عند القاضي؟ قال: نعم، كُنت ذا
لحية وعلى هيئة أهل التديُّن. قلت: ما تبرأ ذِمَّتُك حتى تذهب إلى صاحب الحق الذي شهدتَّ
عليه، وتذهبان إلى المحكمة، وتنقضُ شهادتك. [من شرح الموطأ].
***
ذكر رئيس إحدى المحاكم أن أحد القضاة حكم على شخصٍ،
ثم قال له: إن رأيت أن تعترض فهذه لائحة اعتراض، اكتب فيها ما شئت. يقول: فانكب الرجلُ
يبكي، ويقول: كيف اعترضُ على حكم الله -جل وعلا-؟! فقال له القاضي: أنت لا تعترض على
حكم الله، بل على حكمي أنا. وأثر هذا الموقف في القاضي أثرًا بالغًا [من شرح الموطأ].
***
التسامُح في البيع والشِّراء مطلوب، فلا يماكس المشتري
مماكسة تُتعب الآخرين، لكن إذا وُجد من يغالي في الأسعار، فمثل هذا من الأفضل مماكسته،
والأمر بالسماحة لا يتناوله؛ لأنَّ ذلك يُغريه بالاستمرار في ذلك، وكذلك لا يتناول
الأمر بالسَّماحة من يبخس الناس أموالهم، فيسومها بأسعار بخسة جداً. [من شرح الموطأ].
***
سجنُ المفلس
مسألة اجتهادية ترجع إلى اجتهاد القاضي، إن كان سجنه يتسبَّبُ في قضاء ديونه
فهو خيرٌ له، وإن كان سجنه مجرد أذى، وحرمانا له من أولاده وأولاده منه فإنَّ هذا ظلم،
والله تعالى يقول: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]، فهذا هو الواجب تجاهه.
[من شرح الموطأ].
***
اشتريت كتابًا، ثُمَّ وجدت في مكتبتِك النُّسخة نفسها،
ثم جاءك من يطلب الكتاب ويسأل عن قيمته، وأنت راغبٌ عن الكتاب، وقد يكون بلغَك أنَّه
متوفِّرٌ في المكتبات بأرخصَ مما اشتريته به فتقول للمشتري: أبيعه عليك برأس مالي.
والمشتري يظن أنك ما دُمت ستبيعُه برأس مالك أنَّك متفضِّلٌ عليه ومحسنٌ إليه، ومن
تمام النصيحة هنا أن تقول له: أبيعك برأس مالي؛ لأني وجدت النُّسخة عندي، وهو متوفِّرٌ
في الأسواق؛ لئلَّا يطمع في غير مطمع، وبعضُ النَّاس إذا سمِع رأس المال فرِح، وقال:
هذا جزاه الله خيرًا ما كسَب عليَّ، وهو لا يدري أنَّ البائع من جهة أخرى أراد الخَلاص
من سِلعته بالثَّمن الذي وقع له. [من شرح الموطأ].
***
يجوز للمدين بمبالغ كبيرة
أن يتصدق باليسير من المال الذي لو دفعه لدائنيه لم يقبلوه، ومن هذا الباب كان أحد
من أهل العلم مديناً بخمسة عشر مليونًا، وأُدخل السجن بسببها، فوجد شخصًا كبير السن
في السِّجن، فقال له: ما الذي أجلسَك هنا؟ قال: مَدينٌ بعشرة آلاف، فكتب له صكَّ شيكٍ
بعشرة آلاف وأخرجه، فهذه العشرة آلاف تُعتبرُ مبلغًا يسيرًا بالنسبة للخمسة عشر مليونًا،
ولو دفعها إلى الدَّائن ما قبلها، فمثل هذه الأمور والتصرُّفات اليسيرة التي لا تؤثر
في الدَّين لا أثر لها. [من شرح الموطأ]


اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات