-->
»نشرت فى : الأحد، 2 يونيو 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الحقوق المشتركة بين الزوجين [1]

حق الاستمتاع 

الاستمتاع حق مشترك بين الزوجين،فللزوج الحق في الاستمتاع بزوجته وكذلك العكس، فالاستمتاع مقصد من مقاصد النكاح، ومن خصوصياته فـ«حل استمتاع الزوج بزوجته هو اختصاص له، فلا يشركه غيره فيه، فهو اختصاص حاجز، ولهذا لا يجوز للزوجة أن تتزوج بزوج آخر ما دامت الرابطة الزوجية قائمة بينهما»([1]).
وكذلك الزوجة فاستمتاعها بزوجها "هو استمتاع وحيد، لا يجوز لها فعله مع غيره عن طريق الزواج ما دامت الرابطة الزوجية قائمة([2]).
هذا وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الجماع حق للزوج فقط، وأن الزوجة لا حق لها فيه وأنها إن لم تصل إليه فلا حق لها في طلب الانفصال.
وهذا الرأي هو خلاف قول الجماهير من أهل العلم، الذين جعلوا للمرأة الحق في ذلك، وقالوا بأحقية الزوجة في مقاضاة الزوج وطلب الانفصال إن أرادت بل ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب جماع الزوجة ليلة في كل أربع ليال، وقال آخرون: ليلة في كل طهر، وذهب مالك ومن وافقه إلى أن الزوج الذي يهجر زوجته أربعة أشهر قاصدا الإضرار بالزوجة فهو مولٍ([3])، يعني وإن لم يحلف، إذ الإيلاء هو أن يحلف الرجل أنه لن يأتي زوجته أكثر من أربعة أشهر، والإيلاء مما يؤيد قول الجمهور في كون الوطء حق للزوجة أيضا؛ لأن إلزام الزوج في الإيلاء بالفيء أو الطلاق دليل على حق الزوجة في الجماع.
كما أن القائلين بعدم الوجوب قالوا: إنهم أوكلوه إلى الغريزة، وقالوا: إن ما له دافع طبعي لا حاجة لإيجابه ديناً، والحقيقة أن إرادة الإضرار من الزوج قد تجعله يفعل ذلك، بله إذا كان مستغنياً عنها بغيرها، فكيف تدفع الزوجة الضرر عنها إن لم يكن لها الحق بالمطالبة، وتحميل الزوج وزر هجره لها إضافة إلى أن المرأة كالرجل لها غريزة تريد إشباعها، ولا سبيل إلا ذلك إلا بالحلال، وفي امتناع زوجها ضرر شديد عليها.
كما أن التعبير القرآني للمتزوجات بالمحصنات يومئ ويشير إلى دلالات المعنى اللغوي التي يفيد المنع والحيلولة، وهو هنا تحصن المرأة بالزواج من دواعي الشر والرذيلة.
زد على ذلك إلى ذلك انتشار المغريات المادية والمعنوية، والمثيرات الجنسية المتنوعة، وانتشار ما يسمى بالثقافة الجنسية، التي أخذت بالانتشار، كل هذا له دور كبير في التأثير على النفوس الضعيفة، ومنها قلوب وفرة من النساء.
كما أن الاختلاط أصبح هو السمة السائدة في معظم المجتمعات الإنسانية، وانكسر عند كثير من الجنسين وخاصة المرأة حاجز الحياء من الطرف الآخر، مما سهل وقوع الفاحشة، وهذا ما يشهد به الواقع الذي هو حجة دامغة في وجه من يرمون غيرهم بالنظرة الشهوانية.
ولهذا كله نقول إن من الواجب على الزوج أن يشبع غريزة زوجته الجنسية في حدود المعقول، وفي هذا الصدد يقول البهوتي في كشاف القناع: «ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين، ودفع الضرر عنهما وهو-أي الوطء- مفض إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفعه عن الرجل، فيكون الوطء حقاً لهما جميعاً»([4]).
وعلى الزوج أن  يتوخى حاجتها إلى إليه «فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره، وإن رأى الرجل من نفسه عجزاً عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التى تزيد في باهه، وتقوي شهوته حتى يعفها»([5]).
ويدخل في الاستمتاع كل ما يشبع الغريزة من النظرة إلى الإنزال، فيحق للزوجين الاستمتاع بالنظر، واللمس لأي جزء من أجزاء الطرف الآخر؛لأن «الجماع فوق النظر واللمس، فكان في إحلال الجماع إحلال للنظر واللمس من باب أولى»([6]).
ومما يستدل به على ذلك من السنة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد([7]).
وفي أبي داود وغيره من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:
قلت: يارسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك»([8]).
يظهر من هذا أن للزوج النظر إلى كل بدن زوجته، وكذلك العكس، بما في ذلك النظر إلى الفرج ظاهراً وباطناً، لأنه محل تمتعه([9]).
فالقول بكراهة النظر إلى الفرج الظاهر، وشدة الكراهة في النظر إلى باطنه فيه بعد، والأبعد منه القول بالحرمة.
استدل أصحاب هذين القولين الحرمة والكراهة- بحديث عائشة أنها قالت: «ما رأيت عورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قط».
وهذا الحديث في سنده شخص يدعى ابن سابور، وهمه الخطيب في تاريخ بغداد([10]) وابن عدي في الكامل([11])، كما أن فيه بركة بن محمد أبو سعيد الحلبي شيخ ابن سابور، وقد ذكره ابن عدي في الضعفاء وقال:«هذا الحديث لم يروه موصولاً بهذا الإسناد غير بركة هذا، وقد روي مرسلاً»([12]) فتبين ضعف هذا الحديث.
واستدلوا أيضاً بحديث: «النظر إلى الفرج يورث الطمس»، وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وخالفه ابن الصلاح فجوَّد إسناده، وقال: أخطأ من ذكره في الموضوعات([13])، وهذا تساهل منه رحمه الله.
وممن حكم بوضعه أبو حاتم، كما روى هذا عنه ابنه في كتاب العلل، والحديث رواه ابن حبان في الضعفاء من طريق بقية عن ابن جريج، وبقية هذا مدلس سيء التدليس، ولهذا قالوا فيه: أحاديث بقية ليست نقية، فكن من أحاديثه على تقية.
قال ابن حبان وهذا يمكن أن يكون بقية سمعه من بعض شيوخه الضعفاء عن ابن جريج فدلسه، ونظراً لهذا كله كان تحسين ابن الصلاح للحديث فيه نظر كما قال الحافظ في التلخيص([14]).
وحمل الرافعي الحديث على الكراهة لا يستقيم مع ضعفه إلا على قاعدة الاحتياط التي يؤخذ فيها بالحديث الضعيف، وفي هذه المسألة خلاف منتشر.
وبناءً على ما سبق فليس للزوج أو الزوجة أن يمنع الآخر من النظر إلى عورته، لأنه من جملة الاستمتاع المباح أو المندوب له.
أما قول الزركشي : «لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى عورة زوجها إذا منعها منه بخلاف العكس»([15])، وعلل تفريقه هذا بأن الزوج يملك حق التمتع بها بخلاف العكس([16]) فمبني على أن التمتع حق للزوج دون الزوجة، ولهذا قال الخطيب: «وهذا ظاهر»([17]).
ولقصور نظرة هذا القول توقف فيه بعض متأخري الشافعية([18]) بل ذهب بعضهم إلى ردّه، وذهب إلى أن لها ذلك ولو منعها زوجها، وهذا ما اعتمده ابن حجر الهيتمي([19]) خلافاً للرملي والخطيب([20]) من متأخري أئمة الشافعية.
أما لمس الفرج فجائز، ولا خلاف في حله، ولا يأتي فيه الخلاف الذي في النظر إلى الفرج لا يجري في مسه لانتفاء العلة([21])، وقد «سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن مس الرجل فرج زوجته، فقال: لا بأس به، وأرجوا أن يعظم أجرهما»([22]).
ويمكن تعليل عظم الأجر بأنه مدعاة للشهوة المؤدية إلى تحصين الزوجين، وتكثير النسل.
وقد ذكر الإمام الجويني «أن التلذذ بالدبر بلا إيلاج جائز»([23])، والتلذذ هنا يشمل النظر واللمس «لأن جملة أجزائها محل استمتاعه إلا ما حرم الله تعالى عليه من الإيلاج»([24]) وقد خالف الدارمي فذهب إلى حرمة النظر إليه([25]) ولكن خلافه هذا غير معول عليه في المذهب الشافعي، ولهذا ضعفه الهيتمي في التحفة([26]).
ويدخل في حل الاستمتاع تجرد المرأة لزوجها، وكذلك العكس، لأن هذا مما يساهم في إشباع الشبق الجنسي، وإخماد نار الشهوة، وهذا من المقاصد الأساسية للنكاح، والتجرد من الثياب من المكملات لهذا المقصد.
أما حديث: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردان تجرد العيرين»([27]) قال البيهقي في الشعب عقب روايته هذا الحديث: «تفرد به مندل بن علي»([28]) وهذا منه إعلال للحديث، فمندل هذا أورده الذهبي في الضعفاء، ونقل تضعيفه عن أحمد، والدارقطني([29]).
وقال الهيثمي فيه ضعيف، وقال البزار: أخطأ مندل في رفعه، والصواب أنه مرسل([30]).
فتبين من هذا أن في الحديث علتين :-
الأولى: ضعف مندل.
والثانية: وهمه في رفعه، والصواب إرساله.
وممن ضعفه من المتأخرين الألباني في ضعيف ابن ماجه([31])، وضعيف الجامع([32]).
على أنه يمكن حمل الحديث على تسترهم جميعاً أثناء الجماع بغطاء واحد مع التجرد تحته، فيكون معنى الحديث: (إذا أراد أحدكم جماع حليلته فليتغط هو وإياها بثوب يسترهما) ويكون الخطاب هنا للرجل بالستر دونها؛ لأنه يعلوها، وإذا استتر الأعلى استتر الأسفل، (ولا يتجردان -أي لا يتغطيان- فيصيران متجردين عما يسترهما) والأمر بالاستتار هنا على وجه الندب والاستحباب([33]).
ومما ذكره الفقهاء في هذا المقام، ونص عليه الهيتمي في التحفة أن الزوج لو أمر زوجته أثناء الجماع أن تتحرك وجب عليها ذلك.
وللزوج أن يتمتع بعضوه بكل جزء من أجزاء زوجته إلا أن هنا محظورين: أحدهما زماني: وهو إتيان الحائض، والآخر مكاني: وهو الإتيان في الدبر.
أولاً: إتيان الحائض:-
إتيان الحائض لا يجوز بإجماع أهل العلم لقوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(البقرة:222).
وسبب نزول الآية ما رواه الطبري عن قتادة  حين سئل عن هذه الآية فقال: «كان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت ولا تؤاكلهم في إناء؛ فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضاً، وأحل ما سوى ذلك أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك»([34]).
وفي صحيح مسلم عن أنس t أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  النبي صلى الله عليه وسلم  فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض)، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟! فتغير وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما([35]).
 ومن هنا يظهر أن دين الله وسط بين أمرين فقد  «كانت اليهود والمجوس تجتنب  الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض؛ فأمر الله بالقصد بين هذين»([36]).
هذا وقد اختلف العلماء فيما يجب اعتزاله من الحائض على أقوال:-
القول الأول: يعتزل فراش زوجته إذا حاضت، وهذا مروي عن  ابن عباس لكن قال القرطبي: «وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه»([37]).
القول الثاني: يعتزل موضع الدم، روي هذا عن عائشة والثوري ومحمد بن الحسن وداود، واستدلوا بحديث: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»([38]).
لكن حديث: «ما فوقَ الإزار» يخص بمفهومه عموم «اصنَعُوا كلَّ شيء إلا النكاح» وعملاً بالأحوط([39]). 
القول الثالث: له منها ما فوق الإزار، قال بهذا مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجمهور العلماء([40])، واستدلوا بما ثبت عن عائشة أنها قالت: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تأتزر ثم يباشرها»([41])، أي يلصق بشرته ببشرتها فيما دون الإزار([42])، كما استدلوا بحديث حرام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار»([43])، وجعل الجمهور هذا الحديث مخصصاً بمفهومه عموم «اصنَعُوا كلَّ شيء إلا النكاح» وعملاً بالأحوط([44]). 
وقد اختلف العلماء في فهم المباشرة فوق الإزار فـقال بعضهم: المراد منه ما فوق السرة، فيحل الاستمتاع بما فوق سرتها، ولا يباح بما تحتها إلى الركبة، أي أنه يحرم استمتاع الرجل بزوجته فيما بين السرة والركبة وله ما سوى ذلك.
 وقال بعضهم: المراد الاستمتاع مع الإزار، أي أنه يحل الاستمتاع بما تحت سرتها إلى الركبة سوى الفرج، لكن مع المئزر لا مكشوفاً.
ويمكن العمل بعموم قولهما بما فوق الإزار؛ لأنه يتناول ما فوق السرة وما تحتها سوى الفرج مع المئزر، إذ كل ذلك فوق الإزار، فيكون عملاً بعموم اللفظ([45])فالذي يظهر الحمل على المعنيين إذ لا تناقض بينهما([46])، وذهب الشافعية ومن وافقهم إلى أن السرة والركبة غير داخلين في النهي، وإنما هما حريم وحدود لمنهي، وهو الموضع الذي يحرم مباشرته([47]).
«قال العلماء مباشرة المرأة وهى متزرة على الاحتياط والقطع للذريعة، ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك منه ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع، فأمر بذلك احتياطاً، والمحرم نفسه موضع الدم، فتتفق بذلك معاني الآثار ولا تضاد»([48]).
علما أنه لا ينبغي للزوج أن يعتزل فراش زوجته فترة الحيض؛ لأن ذلك تشبه باليهود، وقد نهينا عن التشبه بهم ، وثبت في السنة من حديث أم سلمة رضي الله عنه أنها قالت: حضت وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخميلة، فانسللت فخرجت منها، فأخذت ثياب حيضتي فلبستها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنفست» قلت: نعم، فدعاني، فأدخلني معه في الخميلة([49]).
وثبت أيضًا عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب»([50]).
وبناءً على ما سبق فلا يجوز للزوج أن يجامع زوجته في فترة الحيض، وللمرأة الحق بل يجب عليها دفع زوجها، ومنعه من ذلك.
ثانياً: إتيان الدبر: وقد أجمع العلماء على حرمة إتيان المرأة في دبرها لقوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(البقرة:223).
أما سبب نزول هذه الآية ففيه أقوال منها:
أن سبب النزول هو قول اليهود: إذا أتى الرجل زوجته من دبرها جاء الولد أحول فعن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه  قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول، فنزلت الآية: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)([51]) وزاد «الزهري إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية غير إن ذلك في صمام واحد»([52])، والمجبّية: أي المكبوبة على وجهها. والصمام: الثقب، والمراد به القبل([53])، ذلك أن «الصمام بكسر الصاد المهملة وتخفيف الميم، وهو في الأصل سداد القارورة ثم سمي به المنفذ كفرج المرأة"([54])، والمعنى أنه يجوز للزوج أن يأتي زوجته سواء كانت مستلقية على ظهرها أو على بطنها أو علي أي وضع كان ما دام أن الإتيان يكون في القبُل.
 هذا وقد «أخرج هذا المعنى جماعة من المحدثين عن جابر وغيره  واجتمع فيه ستة وثلاثون طريقاً في بعضها أنه لا يحل إلا في القبل، وفي أكثرها الردّ على اليهود»([55]).
و(أنى) تأتي للزمان والمكان والهيئة أو الكيفية ففي الآية إباحة لإتيان الزوج زوجته في أي زمان إلا زمن الحيض وفي أي مكان وعلى أية هيئه بشرط اتقاء الدبر، ولهذا ورد في السنة عن بن عباس رضي الله عنه قال جاء عمر إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  شيئا، قال: فأوحي إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  هذه الآية: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)   أقبل وأدبر  واتق الدبر"([56]).
ومما يدل على الحرمة ويؤيدها مايلي:
أولا: ماجاء في السنة من النهي عن إتيان المرأة في دبرها:
·                      عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم  قال:«لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأة في دبرها»([57]).
·                      عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «محاش النساء حرام عليكم»([58]).
·                      عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد»([59]).
·                      عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَلْعُونٌ مَنْ أتى امرأةً في دبْرِها»([60]).
·                      عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «هي اللوطية الصغرى» يعني إتيان النساء في أدبارهن([61]).
ثانيًا: أن الأصل تحريم المباشرة إلا ما أحله الله، ولم يحل تعالى إلا القبل كما دل له قوله: (فأتوا حرثكم أنى شئتم)، وقوله: (فأتوهن من حيث أمركم الله)، ولا يقاس عليه غيره، لعدم المشابهة في كونه محلاً للزرع([62]).
ثالثًا: أن الله عز وجل أباح موضع الحرث، والمطلوب من الحرث نبات الزرع، فكذلك النساء الغرض من إتيانهن هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، وهو لا يكون إلا في القبل فيحرم ما عدا موضع الحرث([63]).
رابعاً: أن حل الاستمتاع بالحائض فيما عدا الفرج مأخوذ من دليل آخر، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج([64]).
خامساً:  أن قضاء الشهوة من المقاصد الأساسية للإنسان من النكاح، بيد أن حفظ النسل من المقاصد الشرعية الضرورية الكلية، وقضاء الشهوة هو من الوجهة المقاصدية مسألة تحسينية أو حاجية أومكملة لمقصد حفظ النسل، وبهذا يتضح هنا الفرق بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، وهنا قاعدة مقاصدية هامة تفيدنا في هذا الموضوع،وهي أنه إذا تعارض المقصدان قدم قصد الشارع،وهنا تعارض قصد الرجل في إتيان الدبر لقضاء شهوته المريضة مع قصد الشرع الذي طلب النسل-والإتيان من  الدبر يعارض هذا المقصد-والحفاظ عليه وجعل قضاء الشهوة والحلال وسيلة لذلك فيقدم قصد الشرع، لأن الشارع هو الحاكم أولاً ولأن الشريعة جاءت لتخرج الإنسان من داعية هواه كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات([65]).
سادساً: أن للمرأة حقاً في قضاء شهوتها، لا يجوز للرجل بحال من الأحوال إغفاله، وفي إتيان المرأة من دبرها قضاء على هذه الشهوة، واعتداء على حق الزوجة، وإفساد للعشرة الزوجية.
سابعًا: قد حرم الله الوطء في الفرج لأجل الأذى، فما الظن بالحش الذي هو موضوع الأذى اللازم في زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل الذي هو العلة الغائية من مشروعية النكاح، والذريعة القريبة جداً الحاملة على الانتقال من ذلك إلى إدبار المرد، وكفى منادياً على خساسته أنه لا يرضى أحد أن ينسب إليه ولا إلى إمامه تجويز ذلك ([66]).
ثامناً: من المعلوم أن المرأة بجميع أجزائها ليست محلاً للحراثة، بل محل الحراثة هو الموضع المعين منها، فلما حمل مواضع الحراثة على ذوات النساء احتجنا إلى تقدير مضاف آخر في المبتدأ، والتقدير: أبضاع نسائكم حرث لكم، ولا شك أن موضع حراثة الولد ليس أماكن متعددة بل هو موضع معين منها، فلم يكن حمل قوله (أنى شئتم) على التخيير في الأمكنة، فيكون محمولاً على التخيير في الكيفيات([67]).
وبهذا «يتضح أن إتيان النساء في أدبارهن عمل شنيع، وجرم فظيع، لا يقره شرع، ولا يرضى به عاقل، ومفاسده لا تعد ولا تحصى، بل ربما كان أخطر على الفرد والأسر والجماعات من أي جناية أخرى غيرها من أنواع المحرمات، فليتق الله هؤلاء السفلة الذين يأتون نساءهم في أدبارهن، ويعملون عمل قوم لوط، ويظنون أنه جائز في الإسلام»([68]).
هذا الأمران: إتيان الحائض، والإتيان في الدبر هما فقط المحضوران من الاستمتاعات، وما عداهما جائز بشرط ألا يكون فيه ضرر على الزوجين أو أحدهما.
خطأ فادح:
من الأخطاء الفادحة التي يقع فيها البعض أن يترك زوجته شهوراً وربما سنين تحت مسمى الدعوة والخروج، وهذا لايجوز -بلا شك- إلا بشرطين:
الشرط الأول: ألا تزيد فترة الخروج هذه على أربعة أشهر، إذ هو زمن اعتبره الشرع أكبر زمن في الإيلاء، (للذين يؤلون من نسائهم تربض أربعة أشهر)، وأيضا: هو الزمن الذي حدده الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للمجاهدين بعد استشارته لابنته عن أكثر زمن تصبر فيه الزوجة عن زوجها.
فإذا أراد الزوج الزيادة فلا بد من رضا الزوجة، ذلك لأن الخروج في غالبه مندوب إليه، ورعاية الزوجة والقيام بحقوقها واجب، ولا شك أن الواجب مقدم على المندوب.
وينبغي ألا يحرج الزوج زوجته، ويدفعها للتنازل عن هذا الحق، وهو يعلم أنها لم ترض إلا حياءاً، وإذا كان لا يجوز أخذ مال امرئ إلا بطيبة من نفسه، فكيف بما إهماله أقسى من أخذ شيء يسير من المال.
الشرط الثاني: ألا يترتب على غيابه مفسدة أكبر، فالذي لوحظ في بعض الحالات أن الزوج يخرج ليدعو الناس، وهو لم يدع زوجته وأولاده، ولم يربهم على المنهج الديني السليم، ولهذا ما إن يخرج الرجل حتى تفسد الأمور أكثر من ذي قبل.
ومثل هذا أيضاً من يترك زوجته سنين عددا بحجة العمل أو الدراسة في الخارج.


* للمزيد المفيد والماتع يراجع كتاب: (الوجيز في فقه الحقوق الزوجية): http://cutt.us/lcXkm



([1])  المفصل في أحكام المرأة (7/320)
([2])  المرجع السابق
([3])  ينظر: شرح منتهى الإرادات (3/158).
([4])  كشاف القناع (3/114)
([5])  القرطبي (3/124)
([6])  المفصل (3/145)
([7])  مسلم (1/260).
([8])  أبو داود (4/40)، وحسنه الألباني في الإراوء (6/212).
([9])  ينظر: مغني المحتاج (3/181)
([10])  تاريخ بغداد (4/115)
([11])  (2/479)
([12])  المرجع السابق.
([13])  ينظر: التلخيص الحبير (3/316).
([14])  ينظر: السابق
([15])  مغني المحتاج (3/181)
([16])  المرجع السابق
([17])  المرجع السابق (3/182)
([18])  هو القاضي زكريا الأنصاري، ينظر: أسنى المطالب (4/217).
([19])  ينظر: التحفة (7/206)
([20])  ينظر: تحفة المحتاج (6/199)، مغني المحتاج (3/181).
([21])  ينظر: تحفة المحتاج (7/207)، مغني المحتاج (3/181).
([22])  الجوهرة النيرة (2/285).
([23])  ينظر: مغني المحتاج (3/181)
([24])  نهاية المحتاج (6/200)
([25])  مغني المحتاج (3/181)
([26])  (7/207)
([27])  السنن الكبرى للبيهقي (7/193)
([28])  ينظر: فيض القدير (1/238)
([29])  ينظر: السابق.
([30])  ينظر: مجمع الزوائد (4/293).
([31])  رقم (421)
([32])  رقم (279)
([33])  ينظر: فيض القدير (1/238)
([34]) جامع البيان ( 2/381)
([35]) أخرجه مسلم (1/246)
([36]) الجامع لأحكام القرآن (3/81)
([37]) الجامع لأحكام القرآن (3/86)
([38]) ينظر الجامع لأحكام القرآن (3/86)
([39]) ينظر الإقناع (1/64)
([40]) ينظر بداية المجتهد (1/131)
([41]) أخرجه مسلم (1/242).
([42]) ينظر سبل السلام لمحمد بن اسماعيل الأمير (1/490)
([43])  أخرجه أبو داود (1/153)، وجود ابن الملقن إسناده في تحفة المحتاج (1/233).
([44]) ينظر الإقناع (1/64)
([45]) البدائع (5/267)
([46]) بحث الأسنوي أنه يحرم على الزوجة أيضا في فترة حيضها التمتع بما بين سرة وركبة الزوج، واعترضه كثيرون (الإقناع 1/64)
([47]) ينظر: مغني المحتاج (4/210).
([48]) الجامع لأحكام القرآن( 3/87)
([49]) أخرجه البخاري (1/71)، ومسلم (1/243).
([50]) أخرجه مسلم (1/243).
([51]) أخرجه البخاري (4/ 1645) مسلم (2/1058)
([52])  مسلم ( 2/1059)
([53]) ينظر المجموع (18/99)
([54]) نيل الأوطار (6/204).
([55]) سبل السلام (3/1030)
 ([56]) الترمذي (5/216)
([57]) صحيح ابن حبان ( 9/517) والبيهقي في السنن الكبرى ( 5/320) ونحوه الترمذي (3/468) وحسنه.
([58])  أخرجه أحمد بن محمد أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار (3/46) و عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي في سننه (1/276) والبيهقي في الكبري 7/199، وأبو القاسم سليمان الطبراني في الأوسط (7/357)
([59]) أخرجة الترمذي (1/243) والدارمي (1/275) وابن ماجة (1/209) والبيهقي في الكبرى (5/323) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2/739)
([60]) أخرجه أبو داود ( 2/249) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2/406).
([61]) أخرجه أحمد (2/182،210)،والبيهقي في الكبرى(5/319) وسليمان بن داود الطيالسي في مسنده (299) ، قال الحافظ عبد العظيم المنذري : ورجاله رجال الصحيح، الترغيب (3/198)
([62]) سبل السلام (3 /1023)
([63]) ينظر: سبل السلام (3/1023)   ومعتصر المختصر ليوسف بن موسى الحنفي (1/303)
([64]) سبل السلام   (3/1023)
([65]) ينظر الموافقات (2/177) حققه : خالد شبل، مؤسسة الرسالة1420هـ-1999م.
([66]) نيل الأوطار (6 /202) الجامع لأحكام القرآن (3/94).
([67]) حاشية شيخ زاده على البيضاوي (2/536) بتصرف وحذف يسيرين.
([68])  الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري (4/357) دار الفكر ، 1996م.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015