-->
»نشرت فى : الجمعة، 31 مايو 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم


علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم


اعلم أن من أحب شيئا آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان مدعياً[1] ولا يوافق قوله فعله، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تخرج عن هذا الإطار، ولا شك أن لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم علامات ودلائل تدل على حقيقة صدق هذه المحبة، ولهذا كان لزاماً على المسلم أن يعرفها ليحققها ويعمل بها، وأهم هذه العلامات ما يلي:
1-    الإقتداء به صلى الله عليه وسلم، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه وسيرته، والوقوف عندما حد لنا من أحكام شريعته ومحبته صلى الله عليه وسلم من مهماتها، وهذه أعظمها[2] فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني، إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل» ثم قال لي: «يا بني، وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة»[3].
وتأمل قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي الشأن في أن الله يحبكم، لا في أنكم تحبونه، وهذا لا ينالونه إلا بإتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم [4] قال المحاسبي : «وعلامة محبة العبد لله عز و جل اتباع مرضاة الله، و التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، ووجد طعمه ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه»[5].
وقال غيره : «من الزم نفسه آداب السنة نوّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره ونواهيه وأفعاله وأخلاقه»، وقال أبو إسحاق الرقي: «علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وقال غيره: «لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا بإتباع السنة ومجانبة البدعة»[6].
2-    أن يرضى مدعيها بما شرعه الله حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضى[7] قال تعالى : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }[النساء65] فسلب الإيمان عمن وجد في صدره حرجا من قضائه و لم يسلم له.
3-    وهي داخله فيما قبلها :إيثار ما شرعه وحض عليه على هدى نفسه وموافقة شهوته، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[الحشر9][8].
4-    كثرة ذكره له، فمن أحب شيئا أكثر ذكره[9]، ولبعضهم: المحبة دوام ذكر المحبوب[10]، قال ابن القيم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : «إنها سبب لدوام محبته للرسول صلى الله عليه وسلم وزيادتها، وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له، و تزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره، و إحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقر لعين العبد المحب من رؤية محبوبه، ولا أقر لقلبه من ذكره، وإحضار محاسنه، فإذا قوى هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، و تكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه»[11].
و ذكره صلى الله عليه وسلم يكون بالصلاة عليه، وبهذا يعلم فضيلة الحديث وأهله لذكرهم له صلى الله عليه وسلم كثيرا [12]، وصح في السنة  قوله صلى الله عليه وسلم: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي»[13].
وقد شُرع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لإظهار محبته واحترامه وتوقيره وتعظيمه صلى الله عليه وسلم، و هذا من علامات محبته، ولقد ورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين من يفعل ذلك محبة له و شوقا إليه[14].
ويدخل ضمن الذكر المشروع تعداد فضائله وخصائصه، وما وهبه الله من الصفات والأخلاق، والخلال الفاضلة، وما أكرمه به من المعجزات والدلائل، وذلك من أجل التعرف على مكانته ومنزلته، والتأسي بصفاته وأخلاقه، وتعريف الناس وتذكيرهم بذلك ليزدادوا إيماناً ومحبه له صلى الله عليه وسلم، ولكي يتأسوا به، ولا محظور في التمدح بذلك نثرًا و شعرًا مادام ذلك في حدود المشروع الذي أمر به الشارع الكريم[15].
5-    نصر دينه بالقول والفعل، والذب عن شريعته، والتخلق بأخلاقه في الجود، والإيثار، والحلم، والصبر، والتواضع وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وآثر ذلك على أغراض الدنيا الفانية[16].
6-    كثرة الشوق إلى لقائه فكل حبيب يحب لقاء حبيبه[17]، أما في حياته صلى الله عليه وسلم فمعروف، وأما بعد موته فبأن يشتاق إلى لقائه في الآخره، ويشاهد ذاته الكريم صلى الله عليه وسلم[18].
وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه العلامه فقال: «من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله و ماله»[19].
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي محمد في يده ليأتيني على أحدكم يوم لا يراني ثم لئن يراني معهم أحب إليه من أهله و ماله»[20].
ومن الأمثلة التطبيقية لهذه العلامه أن الأشعريين عند قدومهم المدينة كانوا يرتجزون: 
«غدا نلقى الأحبه... محمدا و حزبه»[21]
وروي إن بلالاً وحذيفه بن اليمان وعمار بن ياسر كانوا يقولون لما حضرتهم الوفاة: 
                             «غداً ألقى الأحبة:  محمدا و وصحبه»[22].
7-    حب القرآن الذي أتى به صلى الله عليه وسلم، وهدى به واهتدى، و تخلق به حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن»[23] أي كان دأبه صلى الله عليه وسلم التمسك به والتأدب بآدابه، والعمل بما فيه من مكارم الأخلاق، فجعلت عائشة رضي الله عنها القرآن نفس خلقه مبالغة في شدة تمسكه به، وأنه صار سجية له وطبيعة كأنه طبع عليها[24].
وذكر الخفاجي أن تمثيل حب القرآن بكثرة تلاوته له على الوجه المرضي فيها عند أهل الأداء، و ليس المراد مطلق القراءة كذا قال[25]، و الصواب أن كثرة تلاوته تدل على حب القرآن والشغف به، و قد صح أن من يتعتع في قراءته له أجران، فلا وجه لقصر محب القرآن على المقرئين فقط، وإضافة إلى كثرة تلاوته ودوام قرأته، العمل بما فيه من أحكام ومواعظ، وتفهمه أي طلب فهمه في مواعظه، وقصصه، ووعده، ووعيده، وبيان أحوال أنبيائه وأوليائه، وعاقبة أعدائه[26] وكذا التقيد بفهم معانيه[27].
هذا والسنة مليئة بالحث على تعلم القرآن و اتباعه، فصح عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «خيركم من تعلم القران و علمه»[28].
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة»[29].
ولهذا إذا أردت أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبة الله ورسوله فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوباً كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه كما قيل: 
إن كنت تزعم حبي... فلمْ هجرت كتابي
أما تأملت ما فيـ... ــــــــــه من لذيد خطابي
و يروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : «لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله»[30].
8-    محبة سنته صلى الله عليه وسلم، و الذي يشمل: طريقه، وهديه بالإقتداء به قولا وفعلا، وأحاديثه،  فيقف عند حدودها، و هي أوامرها و نواهيها[31]، وأن يكثر من قراءتها، فإن من دخلت حلاوة الإيمان في قلبه إذا سمع كلمه من كلام الله تعالى أو من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم تشربتها روحه وقلبه ونفسه[32] قال سهل بن عبدالله: «علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة»[33]
9-    محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هو بسببه من آل بيتة، وحمايته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من يبغضهم وسبهم، فمن أحب شيئاً أحب من يحب[34] فعن زيد بن رقمة رضي الله عنة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً بما يدعي ((ضما)) بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى علية، ووعظ وذكر ثم قال : «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»[35].
ومن آل بيته أزواجه صلى الله عليه وسلم، قال البهيقي: «ويدخل في جمله حب النبي صلى الله عليه وسل  حب أصحابه؛ لأن الله عز وجل أثنى عليهم ومدحهم فقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ... }[الفتح29] وغيرها من الآيات[36] وصح في السنة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغضهم»[37]
10-                 بغض من أبغض الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، ومجانبة من خالف سنته، وابتدع في دينة، واستثقاله كل أمر يخالف شريعته[38] قال تعالى : {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }المجادلة22
وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته، وقال له عبدالله بن عبد الله بن أبي: «لو شئت لأتيتك برأسه» يعني أباه[39].
11- شفقته على الأمة بأن يحبهم ويتلطف بهم، ويرقق قلبه عليهم، ونصحه لهم في أمرهم ونهيهم وموعظتهم، وبيان ما يصلحهم من أمورهم، وسعيه في مصالحهم الدينية والدنيوية بشفاعته ومعاونته وقضاء حوائجهم، ورفع المضار عنهم بدفع المظالم، وإزالة مضايقتهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما"[40].
* للمزيد المفيد والماتع يراجع كتاب: (لا تطروني): http://cutt.us/L7rFc



[1] الشفاء 2/24.
[2] المواهب اللدنية مع الشرح 9/117.
[3] الترمذي5/46، وقال: حديث حسن غريب.
[4] المواهب اللدنية 9/120 مع شرح الزرقاني.
[5] المصدر السابق
[6] المصدر السابق 9/121.
[7] المصدر السابق 9/124.
[8] الشفاء 2/24.
[9] المصدر السابق 2/25.
[10] المواهب 9/132.
[11] جلاء الأفهام ص248.
[12] ينظر: نسيم الرياض للخفاجي 3/361.
[13] أخرجه الترمذي 5/551 وصححه، كما صححه ابن حبان 3/189 والحاكم 1/549 ووافقه الذهبي.
[14] الشفاء 2/59.
[15] حقوق النبي صلى الله عليه وسلم 1/328.
[16] المواهب 9/129.
[17] الشفاء 2/20.
[18] ينظر: نسيم الرياض 3/361.
[19]  مسلم 8/145.
[20] مسلم 7/96.
[21] أحمد 3/105 وينظر: الشفاء 2/25.
[22] ينظر: الشفاء 2/53.
[23]  مسلم 2/168.
[24] نسيم الرياض 3/368.
[25] المصدر السابق.
[26] شرح الشفاء للقاري بهامش نسيم الرياض 3/368.
[27] نسيم الرياض 3/369.
[28]  أخرجه البخاري 4/1919.
[29] أخرجه مسلم 4/1873.
[30] الجواب الكافي ص236.
[31] ينظر: المصدر السابق 9/146، والشفاء 2/28، وشرحه للقاري والخفاجي 3/369.
[32]  المواهب 9/147،146.
[33]  الشفاء 2/28.
[34] المرجع السابق 2/26.
[35] مسلم 4/1873.
[36] ينظر: شعب الإيمان 1/287.
[37] البخاري 1/14، ومسلم 1/85.
[38] الشفاء 2/27.
[39] المرجع السابق 2/28 ،27.
[40] ينظر: الشفاء وشرحيه 3/369.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015