الجرح والتعديل المعاصر!
من الموبقات التي
وقع فيها بعض طلبة العلم ممن يشتغل بعلم الحديث ويقتصر عليه دون غيره ويتأثر بعلم الرجال
خاصة من هذه الموبقات الوقوع في أهل العلم وأهل
الإسلام بشتى أساليب الكلام السيء بل إن بعض تلك العبارات لتغدو غريبة عجيبة وموضع
تندر لغرابتها والتعجب من كيفية تصور صاحبها لها، والشبهة العرجاء التي يتكئ عليها
أمثال هؤلاء هو ما يسمى بعلم الجرح والتعديل، حيث يزعمون أن ما مارسه متقدمو
المحثين من بيان أحوال رواة السنة دليل على جواز ومشروعية بيان أحوال الناس مطلقا
في كل زمان ومكان، والحق أن هذا العلم من علوم السنة والغرض منه معرفة ثبوت الحديث
من عدمه، وذلك من خلال تمييز الثقات من الرواة عن غيرهم، إذ حاول الكذابون
والزنادقة في فترات التاريخ الإسلامي الأولى طمس معالم الدين باختراع الأحاديث احترز
المسلمون في نقلها، فكانوا لا يأخذون إلا عن الثقات، وقد استدعى هذا أن ينبري جلة
من أهل العلم لاختبار ومعايشة الرواة ليعرف عن قرب عدالتهم، وضبطهم، فيزكون
ويوثقون من رأوه أهلا لذلك، ويجرحون من لا يرونه أهلا للنقل والرواية عنه، ومما
يدل لهذا قول ابن معين رحمه الله
":لأن يكونوا خصمائي أهل البدع يوم القيامة خير من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركي الذب عن سنته" إذن: الهدف من الجرح والتعديل كان حفظ السنة، ورغم سمو هذا الهدف إلا
أن بعض السلف كان يتحرج ويتورع جدا في عباراته، وأشهر الأمثلة على ذلك الإمامان
أحمد والبخاري، فقد كانا لطيفي العبارة في التجريح كقول البخاري: "فيه نظر"
أو "سكتوا عنه"، والتي توازي متهم أو ليس بثقة كما قال الذهبي، بل قيل
إنه يريد: "متروك" كما قال ابن كثير، ورغم أن هذا الجرح كان في إطار حفظ
السنة إلا أن هذا لم يمنع هذين الإمامين من التحرز والورع في ذلك، إذ الغرض لم يكن
الشتم بقدر ما كان بيانا لمرتبة راو ومدى قبول روايته أو ردها، لا الوقوع في أعراض
الناس وسبهم بأقذع الألفاظ، نعم ثمة اليوم جرح وتعديل فيما يتعلق بالشهود عند
التقاضي ومع هذا فإن لذلك الأمر زماما وخطاما..
أما الاحتجاج
بالتحذير من أهل البدع فهذا يدخل في مسمى الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وهذا له
ضوابطه وشروطه ولا يحسنها إلا من يحسن التفقه في دين الله علما وعملا وسلوكا، وهذا
يستلزم من طالب العلم التضلع من علوم الفقه وأصوله وعلم التزكية، إذ كيف يميز بين
مراتب البدع والمنكرات، ومراتب إنكارها، وكيفية التعامل معها، وتمييز خير الخيرين
وشر الشرين.. إلخ، وللأسف أن هذا ما يفتقده الغالبية الساحقة من أولئك «المجرحين»،
والمشكلة أن من يدعي اتباع السنة يترك النصوص القرآنية والنبوية القطعية الدالة
على الأمر باجتماع الكلمة، والنهي عن الغيبة والنميمة، والآمرة بالقول الحسن، وعدم
إلقاء السمع لكل واش.. إلخ يترك هذا كله لأجل هواه ورغبته الجامحة في الطعن في
الغير، وكأنه مرض يصعب على صاحبه الفكاك منه.. نعوذ بالله من الابتلاء به..
بقي أن أشير إلى
أن من العواقب الوخيمة التي تلحق هذا الصنف من الناس ضياع علمه، وإن كان له كتب لا يكتب لها القبول ثم لا
تلبث أن تندثر، ولا يبقى له إلا مجرد الذكرى، والشواهد على ذلك كثيرة منها ما قيل
في أحد فقهاء الشافعية المتأخرين حيث أثر عنه أنه كان كثير التهجم على الإمام
النووي، وقد ترجم له الحافظ في الدرر الكامنة فقال عن وفاته: "وقد اندلع
لسانه وأسود، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته فى الشيخ محيي الدين النووي
رحمه الله تعالى"، وقد شرح هذا الرجل كتاب التنبيه في ثلاثين جزءا، ورغم ما
قيل في الثناء علىه، وعلى نَفَس مؤلفه وجودة طريقته فيه إلا أنه مفقود، ولا نرى
اليوم منه صفحة واحدة.. ولهذا فإن الخطب عظيم، والأمر جلل، نسأل الله أن يفقهنا في
دينه، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يغفر لنا ولموتانا ولسائر
المسلمين.. آمين.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات