مع شروح الموطأ للإمام مالك
على
الرغم من كون موطا الإمام مالك يعد من أوائل الكتب المصنفة في الفقه والحديث بل
والتدوين الإسلامي عموماً، وعلى الرغم من كون مصنفه هو الإمام مالك، إمام دار
الهجرة، ويعد الإمام الثاني –زمنياً- في ترتيب أئمة المذاهب المتبوعة، وقد حظي
بجلِّة من الأتباع المحدثين والفقهاء الكبار إلا أن كتابه الموطأ لم يحظ بالخدمة
المطلوبة، فرغم ما قيل من أن عدد شروحه يبلغ الـــ (130) شرحا إلا أن المطبوع منها
يسير جدا، وبعض هذه الشروح المطبوعة لا يرقى إلى مستوى ما يسمى شرحا كشرحي ابن
العربي، وكنون، وأشهر الشروح المطبوعة اليوم شرحا التمهيد والاستذكار لابن عبد
البر، وشرح المنتقى للباجي، شرح الزرقاني، إلأن الزرقاني اجتهد في قسم العبادات
فلما وصل إلى المعاملات ضعف وخارت قواه فيما يبدو فأغفل الكثير من عبارات الموطأ
التي تحتاج إلى بيان وتمثيل وتعليل، فقلَت فائدته، وأما التمهيد والاستذكار فبلا
شك أنهما يشتملان على علم جم، وهما يفيدان العالم المتوسع أو الباحث عن مسائل
معينة أما من حيث فك ألفاظ الموطأ وبيانها بحيث يستفيد منهما طالب العلم فلا،
ولهذا تجد مواضع كثيرة في الموطأ مشكلة فتبحث في هذين الشرحين فيخذلانك، ولأجل هذا
وغيره انبرى أحد علماء الهند ثم أصبح مدنيا وتوفي في المدينة، وهو الشيخ محمد
زكريا الكاندهلوي (ت:1402هـ) فجمع شرحا على الموطأ في (17) مجلداً، تلافى فيه ما
تقدم من جوانب قصور غالباً حيث فك ألفاظ الموطأ، وضم إلى ذلك ما في شرح الباجي،
وهو شرح رائع للموطأ لولا أنه لا يعتني بألفاظه ويشرح الفصول شرحا إجماليا ويفرع
عليه الفروع والمسائل، وقد يستطرد في ذلك، كما زاد الشيخ زكريا أيضا أقوال المذاهب
الأخرى عند الخلاف فنقل عن النووي، والمغني وابن الهمام، وابن رشد، وغيرهم، فكان
شرحاً مفيدا وماتعا لولا أنه لا يخلو من إشكالات مما تقدم ولكنها قليلة جدا
بالنسبة لغيره، ولكونه حنفياً كان يستشكل بعض العبارات ولا يفهمها على وجهها وينقل
عن علماء المذهب المالكية ثم يستظهر شيئاً آخر غير صحيح، ولهذا أقول إن الموطأ على
خلاف ما يظنه بعضهم من كونه مجرد كتاب حديث فقط، فهو يختلف عن بقية كتب السنة،
لأنه يجمع بين الحديث والفقه، ولأجل هذا فإنه يحتاج إلى خدمة جليلة ينبري لها عالم
متخصص في مذهب مالك، وعنده إلمام حديثي جيد بحيث يتلافى ما تقدم من جوانب القصور،
وليعيد لهذا الكتاب رونقه الذي طمرته المذهبية التقليدية الشديدة بين المتأخرين،
وليستفيد منه الباحثون وطلاب العلم، علما أن للشيخ عبد الكريم الخضير شرحا طيباً
للموطأ وهو –حالياً- قيد التهذيب، وسيخرج قريبا بإذن الله تعالى.
https://www.facebook.com/alfahdab



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات