-->
»نشرت فى : الأحد، 15 يوليو 2018»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

التاريخ اليمان.. قصور وتقصير


من مشاكلنا الثقافية أننا لا نكتب، فالتاريخ اليمني يعتبر من أقل التواريخ العربية تدوينا، سواء على الصعيد النخبوي أم المجتمعي أو الثقافي، والمشكلة أن عددا لا بأس به من تلك المدونات كانت مخصصة للحديث عن النخبة الحاكمة ونضالها في طول وعرض البلاد! أما عن الجانب العلمي والثقافي والاجتماعي فشيء قليل جدا، ولعل السبب في ذلك أنّا شعب لا يكتب، ولا يعشق الكتابة بل إنه يمقتها، ويتنصل منها تحت أي مسمي، وبأية حجة، فتارة بأن ثمة ما هو أهم! وأخرى بأن ما في المدونات فيه الكفاية، ولهذا لا غرابة أن نكون من آخر الشعوب العربية تدوينا لتاريخها، والأمر لا يتعلق بنا ونحن في قطرنا، وإنما يشمل أيضا المهاجري منّا، إذ إن الجموع الغفيرة لما هاجرت مع الفتوح الإسلامية، والتي رغم أنه كانت لها الغلبة عدة وعددا إلا أنهم مع هذا لم يدونوا شيئا يذكر أثناء هجراتهم وهِجرهم، فولّد هذا فراغا ملأه مؤلفون آخرون، وأهملوا كثيرا ما يتعلق بتاريخ القبائل اليمنية المهاجرة والتي كان لها دور فعال في حركة التاريخ الإسلامي وانتشار الدعوة الإسلامية، ويكفي أن أضرب هنا مثلا واحدا، وهو أن جيش معاوية رضي الله عنه الذي كان يسمى بجيش الشام ستفاجأ عندما تعلم بأن من أُطلق عليه هذه التسمية ما هو إلا جيوش القبائل اليمانية التي فتحت تلك البلاد، أما أهل الشام الأصليين فلا زالوا في ذلك الوقت نصارى، وستفاجأ أيضا بأن المجلس العسكري لمعاوية رضي الله عنه كان يتشكل من مجموعة قيادات، وكان في فترة من الفترات خمسة أشخاص أربعة من هم يمانون، وخامس مضري، وبطبيعة التركيبة العسكرية آنئذ كان قادة الجيش هم مشايخ القبائل إذ لم يكن ثمة جيوش نظامية، أو هيكل عسكري معين، ومع ما تقدم لا تكاد تجد معلومات كافية في هذا المجال بل إن تضحيات هذه الجيوش التي قاتلت وثبتت ملك معاوية رضي الله عنه نُسب لغيرها من حيث الجغرافيا إذ قيل الجيش الشامي، كما نسب التخطيط العسكري والقدرات القيادية لهذه الجيوش لأفراد، وهم معاوية وعمرو بن العاص، فرغم أن عمرأ كان داهية إلا أني أجزم أنه لم يكن له ذلك الدور الكبير في انتصار جيش معاوية في معاركه مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجيشه.
أما ما يحكى من خدع منسوبة لعمرو فهي خدعة أو اثنتان لم تثبتا تاريخيا، لكن للأسف لا تكاد تسمع عن ذي الكلاع الحميري هذا الرجل المعدود في الصحابة والذي كان قائد جيش قبيلة حمير، وعضو المجلس العسكري لجيوش الشام، وبصورة أشد لا تكاد تسمع عن عبد الله بن مخيمر الشرعبي هذا القائد العسكري الكبير، وشيخ قومه، وعضو المجلس العسكري لجيوش الشام، ولا عن قبيلة همدان المناصرة لمعاوية رضي الله عنه، والتي سكنت الأردن لاحقا، ولا عن قبيلة أشعر التي قطنت لبنان، والذي كان شيخها عضو المجلس العسكري لجيوش الشام أيضا.. هذا مجرد مثال بسيط يدل على أن المرء إذا لم يدوِّن تاريخه فإن الأخرين هم من يدونونه، وحينئذ ستكون تحت رحمتهم، فما أرادوا نقله أو تسجيله فعلوا سواء كان قدحا أم مدحا أو إغفالا!
وما تقدم ذكره من معلومات إنما هو مأخوذ بالمناقيش من كتب التاريخ، والحق أن استخراج مثل هذه المعلومات يتطلب وقتا وجهدا كبيرين، وقد كان للدكتور الفرح جهودا جبارة في هذا المجال فأثرى المكتبة اليمانية بجملة من الكتب الثرية والماتعة، وإن كان بعض ما أورد من معلومات يفتقر إلى الدقة والصحة إذ إن التاريخ اليمني القديم خاصة اختلطت فيه الحقيقة بالخرافة، ولهذا حديث آخر ليس هذا موضعه..
وقد لاحظ هذه الصفة -وهي قلة الكتابة التي نعاني منها- جلة كبار ، فإن مما ينقل أن بعضا من علماء الأزهر أرسلوا إلى زبيد رسالة يتحدونهم تأليف كتاب فقهي، فرغم ما تنامى إلى أسماعهم من علو كعب علماء زبيد في العلم الشرعي إلا أنهم لم يروا مؤلفات تعرّف الآخرين عنهم، فانبرى ابن المقري وكتب مختصرا فقهيا وأرسله إليهم طالبا منهم شرحه، فلما وصلهم المختصر قلبوه أياما، وعجزوا عنه، فأرسلوا إليه رسالة يقولون فيها: "كتابك جمل هائج، فمشِّ جملك"، فشرحه بشرح أسماه: "تمشية الجمل".
كما لاحظ هذه الصفة أيضا الإمام ابن رجب، فهو يقول في بيان فضل علم السلف على علم الخلف: "وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه، وأهل اليمن أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع"، فابن رجب وإن ذكر هذا في سياق المدح والثناء إلا أنه قد يصح في بعض الجوانب الشرعية كالفقه مثلا، أما ما نحن بصدده وهو التاريخ ويلحق به المجالات الثقافية الأخرى فلا بتاتا، ويكفي للدلالة على هذا الوضع أن الأحداث التي جرت من بعد قيام الثورة لم تسجل إلا بأقلام محدودة، ورغم أن الكثيرين من صانعي تلك المرحلة بقوا إلى اليوم إلا أن كثيرين منهم يأبون أن يكتبوا مذكراتهم فضلا عن أن يكتبوا تاريخا يعالجون فيه قضايا متنوعة أو يخصصوه لمعالجة جانب معين.
وختاما فأني أحث إخواني جميعا سواء كانوا يمانين أم غيرهم على ضرورة الاهتمام بالكتابة والاعتناء بها، والتدرب عليها، فإن بقاء كتاب أو كتيب صغير قد يظهر عوار تاريخ مزور، أو يساهم في تصحيح مفهوم مدسوس، أو في درء شبهة منتشرة، وعلى الأقل يجلب لك دعوة صالحة وثناء حسنا، وقديما قال إبراهيم عليه السلام: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين).

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015