شرح جمع الجوامع - الكتاب الأول (25)
قال
المصنف رحمه الله تعالى: (مسألة: والمجاز اللفظ المستعمل بوضع ثان لعلاقة)، هذا
التعريف يظهر من مراجعة تعريف الحقيقة، وخرج بقوله لعلاقة: العلم المنقول كفضل ،
وعندما قال بوضع ثان بين هذا بقوله: (فعُلم وجوب سبق الوضع) أي دون الاستعمال لأن
المجاز يستلزم وضعا سابقا للمعنى الأول (وهو اتفاق) أي وهذا متفق عليه، (لا
الاستعمالُ وهو المختار) أي لا يشترط استعمال اللفظ فيما وضع له حقيقة حتى ينقل إلى
المجاز، وإنما الشرط الوضع فقط، فلو وضع لفظ بإزاء معنى ثم وضع ثانيا لمعنى آخر
لعلاقة بين المعنيين قبل استعماله في المعنى الأول كان الثاني مجازا، وهل عدم
الاشتراط هذا على إطلاق أو أنه مختص بما عادا المصدر مذهبان: (قيل: مطلقاً، والأصح
لما عدا المصدر) فلا يتحقق في المشتق مجاز إلا إذا سبق استعمال مصدره حقيقة
ثم
ذكر المصنف في وقوع المجاز عدة أقوال هي: القول الأول: (وهو) أي المجاز (واقع) في
القرآن والسنة وكلام العرب، كما في قوله تعالى: "وأسأل القرية" "واخفض
لهما جناح الذل من الرحمة"، القول الثاني: ذكره المصنف بقوله: (خلافاً
للأستاذ) أبو إسحاق الإسفراييني (والفارسي مطلقاً) أي لا في القرآن ولا السنة ولا
كلام العرب، وقال: إن ما يُظن مجازا في نحو: رأيت أسدا يرمي فحقيقة، ويبدوا أنهم
قصدوا حقيقة من حيث إن السامع يفهم المراد بالقرينة فلا يتبادر إلى ذهنه أن المراد
في هذا المثال هو الحيوان المفترس، والتبادر من علامات الحقيقة، وبما أنه تبادر
إلى الذهن الإنسان فهو حقيقة هنا، وذهب قوم إلى منعه في القرآن خاصة، وأن مثل
قوله: {واسأل القرية} محمول على أن القرية تطلق للأهل والجدار جميعا على وجه
الاشتراك، ورُد عليه بأنه معلوم أن القرية موضوعة للجدران المخصوصة، دون الأهل
القول
الثالث: (وللظاهرية في الكتاب والسنة) أي منع الظاهرية المجاز في القرآن والسنة،
قالوا لأنه كذب بحسب الظاهر، كما في قولك للبليد: هذا حمار، ودليل كونه كذبا أنه
يصح نفيه، فتقول ليس حمارا بل إنسان. وأجيب عن هذا بأنه ليس كذبا إذا اعتبرنا
العلاقة، وهي المشابهة في الصفة الظاهرة وهو عدم الفهم.
قال
رحمه الله: (وإنما يعدل إليه) أي وإنما يعدل من الحقيقة وهي الأصل إلى المجاز لعدة
أسباب هي: أولا: (لثقل الحقيقة) أي على اللسان كالخنفقيق: اسم للداهية فيعدل عنها
إلى الموت مثلا، ثانيا: (أو بشاعتها) أي بشاعة لفظ الحقيقة، كالتعبير بالغائط عن
الخراءة، والغائط هو المكان المنخفض، ثالثا: (أو جهلها) بأن يجهلها المتكلم أو
المخاطب فيُعدل إلى المجاز، رابعا: (أو بلاغته) أي أن يكون المجاز أبلغَ في الوصف
من الحقيقة نحو: زيد أسد فإنه أبلغ من كلمة شجاع،
خامسا
(أو شهرته) أي أن يكون المجاز أشهر من الحقيقة (أو غير ذلك) كإقامة القافية والسجع
وسائر أصناف البديع.
قال
رحمه الله تعالى: (وليس غالباً على اللغات، خلافاً لابن جني) اختلفوا هل الغالب
على اللغات هو الحقيقة أو المجاز فذهب الجمهور إلى غلبة الحقيقة، وذهب ابن جني إلى
غلبة المجاز، وأنه ما من لفظ إلا ويشتمل في الغالب على مجاز، فتقول مثلا رأيت زيدا
وأنت لم تره كله وإنما رأيت بعضه، وتقول ضربته، وأنت لم تضرب إلا بعضه، وهذا مجاز
من إطلاق اسم الكل على البعض.
ثم
قال رحمه الله تعالى: (ولا معتَمَداً حيث تستحيل الحقيقة خلافاً لأبي حنيفة)
معنى هذه المسألة أنه إذا استحال حمل اللفظ على الحقيقة فلا ننتقل إلى
المجاز خلافا لأبي حنيفة، مثاله: أن يقول الحر لعبده الأسن منه: أنت ابني،
فالجمهور يلغون هذا الكلام لأنه لا حقيقة له، وأعمل أبو حنيفة المجاز لتعذر الحقيقة،
فحكم بعتق العبد صونا للكلام عن الإهمال، ولو لم ينو القائل العتق، أما الجمهور
فقالوا لا ضرورة إلى تصحيحه، لأنه ليس من كلام الشارع مثلا حتى نصححه.


اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات