-->
»نشرت فى : الأربعاء، 19 أكتوبر 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

شرح جمع الجوامع - الكتاب الأول (24)

الحقيقة والمجاز (1)






.........................................................................................................

قال المصنف رحمه الله تعالى: (الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء) هنا يبين المصنف انقسام الألفاظ من حيث الحقيقة والمجاز إلى هذين القسمين، وليس المراد بالحقيقة هنا ذاتَ الشيء وماهيتَه، فقال في تعريف الحقيقة: (لفظ مستعمل) فيخرج المهمل (فيما وضع له) وهذا متمم لقيد مستعمل (ابتداء) خرج بهذا المجاز، لأنه لم يوضع بإزاء معناه ابتداء وإنما بوضع ثان لعلاقة ما بالأول ناسبت أن يوضع له ذاتُ اللفظ.
ثم قسم المؤلف الحقيقة على ثلاثة أقسام، فقال: (وهي: لغوية وعرفية وشرعية) أما اللغوية فهي ما وضعه أهل اللغة باصطلاح أو توقيف مثل: إطلاق اسم الدابة على كل ما دب، والأسد للحيوان المفترس، وعرفية بأن وضعها أهل العرف العام كإطلاق الدابة على ذوات الأربع أو ما هو أخصُ منها، والعرفية نوعان: عامة وخاصة أما العامة فكالمثال السابق، وأما الخاصة فكاصطلاحات العلوم، كالرفع والنصب والجر في النحو، والشرعية هي ما وضعها الشارع كالصلاة والزكاة والصوم والحج للعبادات المخصوصة، قال المصنف: (ووقع الأوليان) اختلف أهل العلم في الواقع من هذه الحقائق الثلاث على أقوال بعد اتفاقهم على وقوع الأوليين، أي اللغوية والعرفية، بدا المصنف بالقول الأول فقال: (ونفى قوم إمكان الشرعية) وهذا النفي بناء على أن بين اللفظ والمعنى مناسبة تمنع من نقله إلى غيره، وقد سبقت مسألة المناسبة هذه وذكرت بأنها واقعة فعلا لكن لا ينفي هذا إمكانية المناسبة لمعنى آخر يتضمن المعنى الأول أو جانبا منه، فلا يلزم من نفي المنقول نفيُ غيره، ولا يلزم من نفي الأخص نفيُ الأعم.
والقول الثاني: قال فيه المصنف: (والقاضي وابن القشيري، وقوعها) أي أنهما لا ينفيان الإمكان فيجوز أن ينقل الشرع الاسم اللغوي إلى معنى آخر، فيصير اللفظ في ذلك المعنى حقيقة شرعيةوإنما ينفيان الوقوع، فلفظ الصلاة مثلا مستعمل في معناه اللغوي وهو الدعاء لكن اعتبر الشارع في الاعتداد بها وإجزائها أمورا إضافية كالنية والركوع والسجود، فهي باقية على معناها اللغوي، والتصرف هنا بوضع الشرط لا بتغيير الوضع وهذا القول ضعيف كما يظهر.
القول الثالث: (وقال قوم: وقَعَت مطلقاً) وهو قول جمهور الفقهاء وعلماء الأصول وغيرِهم، فالنقل هنا تم من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة الشرعية من غير مراعاة النقل إلى المجاز اللغوي، فهي ليست حقائقُ لغوية ولا مجازات عنها
القول الرابع: (وقوم: إلا الإيمان) أي أن هذا القول يُثبت وجود الحقيقة الشرعية ويستثني الإيمان فإنه مستعمل في الشرع في معناه اللغوي، والظاهر أن الإيمان مثل غيره من المصطلحات الشرعية، لأن له أركانا لا توجد في المعنى اللغوي، والذي هو مطلق التصديق
القول الخامس: (وتوقف الآمدي) في وقوعها لتكافئ الأدلة في نظره فيما يبدو،

القول السادس، وهو اختيار المصنف: (والمختار وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي، والإمامين) أي الجويني والرازي (وابنِ الحاجب وقوعُ الفرعية لا الدينية) وخلاصة هذا القول أن المصطلحات الشرعية: نوعان: فرعية ودينية، أما الفرعية  فالمقصود بها ما أُجري على الأفعال كالصلاة والزكاة والصوم ونحوها فهي واقعة، وأما المصطلحات المتعلقة بأصول الدين كالإيمان والكفر والفسق، وهي الدينية والمراد بها ما أُجري على الفاعلين كمؤمن وكافر وفاسق فهي مستعملة في الشرع بمعناها اللغوي، وهذا القول أعمُّ من القول السابق الذي قال فيه: (إلا الإيمان)، والصواب وقوع الحقيقتين الفرعية والدينية، يظهر هذا عند طلب معرفة ماهية الكفر والفسق والشرك ونحوها، فهي في اللغة بمعنى، وفي الشرع بمعنى آخر، وسواء قلنا إن النقل كان كليا أم كان على سبيل المجاز أو لوجود العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي وهذا هو الواقع، إلا أن التجوز هنا إنما هو بالنسبة إلى الوضع اللغوي أما بالنسبة إلى الوضع الشرعي فهو حقيقة فيما وضع له من هذه الحيثية، ثم إن الإطلاق الشرعي يكون على معنيين ذكرهما المصنف بقوله:: (ومعنى الشرعي ما لم يستفد اسمَه إلا من الشرع) كالصلاة للعبادة المخصوصة، (وقد يطلق) أي الشرعي وهذا هو المعنى الثاني (على المندوب) كقولهم: تشرع الجماعة في صلاة العيدين أي تندب (والمباح)، بأن تقول في عمل مباح بأنه مشروع، كما يطلق كذلك على الواجب، فهو مشترك بين هذه المعاني، وظاهر أن المعنى الأول يشمل الإطلاقات الثلاثة فيصح أن يطلق على فعل ما بأنه شرعي بمعنى أن اسمه لم يستفد إلا من الشرع، وأنه شرعي بمعنى أنه واجب أو مندوب أو مباح.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015