شرح جمع الجوامع- الكلام في المقدمات (19)
مسألة:
الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطاً في صحة التكليف، وهي مفروضة في تكليف الكافر
بالفروع، والصحيح وقوعه خلافاً لأبي حامد الإسفراييني وأكثر الحنفية مطلقاً، ولقوم:
في الأوامر فقط، ولآخرين: فيمن عدا المرتد، قال الشيخ الإمام: والخلاف في خطاب التكليف،
وما يرجع إليه من الوضع لا الإتلاف والجنايات وترتب آثار العقود.
ش: الشرط الشرعي
هو ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعاً كالوضوء للصلاة، وقد اختلف علماء الأصول في اعتبار
حصول الشرط الشرعي كالوضوء شرطا في صحة التكليف بالمشروط، وهذه المسألة مفروضة في
تكليف الكافر بالفروع، أي أن هذه المسألة لا تطرد في سائر الشروط الشرعية، ولهذا
لا يصح منازعة الصفي الهندي أو غيره بكون المحدث مطالب بالصلاة بالإجماع، وحظ
الأصولي التقعيد مجردا عن التفريع، وقد اختلفوا على قولين.
وتقييد:
الشرط بالشرعي يخرج العقلي، كالفهم من الخطاب الزائل بالغفلة والنسيان، فإن حصوله شرط
في صحة التكليف.
وهذه
المسألة وهي مخاطبة الكافر بأحكام الشريعة التي هي فرع الإسلام فيها أقوال:
القول
الأول: يشترط في صحة التكليف بها حصول الشرط الشرعي أي أن الكافر غير مخاطب بأحكام
أو فروع الشريعة لأن التكليف بها فرع الإيمان أو مشروط فيه الإيمان، وبهذا قال
أكثر الحنفية وبعض الشافعية وحكوه قولا عن الشافعي، كما حكاه بعض المالكية عن ظاهر
مذهب مالك..
القول
الثاني: لا يشترط في التكليف بالمشروط حصول الشرط الشرعي وهو الإسلام أي أن الكافر
مخاطب بأصل الإيلام وفروعه أو أحكامه كذلك، فعلى هذا يكون مكلفا بفعل الواجب وترك الحرام
وبالاعتقاد في المندوب والمكروه والمباح، ونقله ولي الدين عن مالك والشافعي وأحمد،
وعزاه ابن الحاجب للمحققين.
ولهذا
القول جملة أدلة منها قوله تعالى: (قالوا لم نك من المصلين).
الثالث: أنهم
مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وادعى بعضهم تكليفهم بالمناهي بلا خلاف، وحجة هذا
القول أن المقصود في النواهي الترك وهو حاصل بدون نية.
الرابع: تكليف
المرتد خاصة، دون الكفار الأصليين.
ثم نقل المصنف
عن والده الشيخ الإمام السبكي أنه قيد إطلاق الأصوليين محل الخلاف فقال: إن الخلاف
في خطاب التكليف وما يرجع إليه من خطاب الوضع، ولذلك أمثلة منها:
ما كان سبب
الأمر والنهي، ككون الطلاق سبباً لتحريم الزوجة، فهو من محل الخلاف، والفريقان مختلفان
في أنه هل هو سبب في حقهم أم لا؟
فأما ما كان
من خطاب الوضع لا يرجع إلى خطاب التكليف، كالإتلاف والجنايات، وترتب آثار العقود عليها،
من التصرف بالمبيع بالبيع والهبة وما في معنى ذلك فليس محل خلاف، وهم مخاطبون به
اتفاقا.
هذا وقد
ذهب بعض علماء الأصول إلى أن ثمرة الخلاف تظهر في الآخرة بزيادة العقاب على
الكافرين لأنهم سيعاقبون ليس على الكفر فقط وإنما على غيره كالصلاة والصوم
والزكاة.. إلى آخره.
والصواب أن
الخلاف يجري في كثير من الفروع الفقهية ونذكر منها ما يلي:
الأول: وجوب
الزكاة في أموال الذمي؟
الثاني:
عدة الكتابية من زوجها المسلم.
الثالث: إذا
زنى الذمي هل يجب إقامة الحد عليه؟
الرابع: إذا
تعاطى الذمي شيئاً يوجب الكفارة على المسلم هل تجب عليه؟
الخامس: إذا
نذر شيئا فإنه لا يلزمه القيام به.
السادس: هل
يمنع من تعظيم المسلم بحني الظهر إذا منعنا المسلم منه وهو كذلك؟
السابع: هل
يمنع الذمي الجنب من اللبث في المسجد؟
ولا يلزم
من قول الجمهور بمخاطبة الكافر في فروع الشريعة أن يمضوا في الفروع الفقهية على
هذه القاعدة، لأن طريقة المتكلمين كما هو معروف الاهتمام بتأصيل القواعد والأصول
دون الالتفات إلى الفروع، أما المذاهب الفقهية فقد تُعمل هذه القاعدة في بعض
الفروع دون بعض إما لعارض أرجح أو لمجرد النقل عن إمام المذهب أو لغيرهما..
ويمكن أن
نزيد على ما سبق بأن نقول: من سمات القاعدة القانونية العموم والتجريد أي أن الأصل
فيها أنها موجهة لجميع الأفراد بحيث لا يتميز غير المسلم عن المسلم إلا فيما يتعلق
بالهوية والخصوصية الدينية التي لا تتعارض وأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا له
علاقة بما يسمى بالوحدة القانونية ولهذا فقول الجمهور يتوافق تماما مع هاتين
النقطتين.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات