-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 29 مارس 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

شرح جمع الجوامع- الكلام في المقدمات (18)


ص: مسألة يجوز التكليف بالمحال مطلقاً، ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد والغزالي وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدم وقوعه، ومعتزلة بغداد والآمدي: المحال لذاته، وإمام الحرمين كونه مطلوباً لا ورود صيغة الطلب..
ش: هذه مسالة التكليف بالمحال أو بما لا يطاق، وهذا المسالة تتعلق بالاصلين: أصول الدين وأصول الفقه.
ووجه تعلقها بأصول الفقه أن الأصول عبارة عن العلم بأدلة الأحكام من حيث الإجمال وهو يستدعي البحث في المحكوم فيه وهي الأفعال، ومن شرط الفعل أن يكون مقدورا للمكلف.
وأما وجه تعلقها بأصول الدين فإن جماهير المسلمين اثبتوا عموم الصفات لله تعالى وأن كل حادث واقع بمشيئة الله تعالى وقدرته قالت المعتزلة هذا يلزم منه التكليف بالمحال لان الله تعالى إذا امر بفعل وهو من خلقه كان حاصل الامر: افعل يا من لا فعل له أو افعل ما انا فاعل وهذا عين التكليف بالمحال، وكلام المعتزلة هذا يصح ردا على الأشعرية، وقد رد الاشعرية بان التكليف واقع على الكسب بناء على قولهم به وفي هذا الرد نظر.
وقبل الخوض في بيان الاقول في هذه المسالة وهي التكليف بالمحال لا بد من بيان أنواع الممتنع، والتي تتمثل فيما يلي:
أولا: الممتنع عقلا وعادة كالجمع بين السواد والبياض.
الثاني: الممتنع عادة لا عقلا كالمشي من الزمن والطيران من الإنسان، فتصور زمن أو معاق بالتعبير المعاصر لا يمتنع عقلا كما لا يمتنع عقلا ايضا تصور الطيران من الإنسان وإن كان كلا الأمرين ممتنعان عادة، لأن المستحيل له تحصل له صورة في العقل!
الثالث: الممتنع عقلا لا عادة كالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن أو تكليف الناس بالإيمان مع علمه أن أكثرهم لن يؤمنوا، لأن العقل يحيل إيمانه لاستلزامه انقلاب العلم القديم جهلا. ولو سئل عنه أهل العادة لم يحيلوا إيمانه
والخلاف انما هو في النوعين الاولين لا في الثالث.
والكلام في هذه المسالة من جهتين: الجواز والواقع
أما من حيث الجواز فاقوال هي::
القول الاول: جواز التكليف بالمحال مطلقا، سواء كان المحالُ لذاته أي ممتنع عقلا وعادة كالجمع بين السواد والبياض أم لغيره أي ممتنع عادة لا عقلا كالمشي من الزمن والطيران من الإنسان أو عقلا لا عادة كالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن، وإلى هذا ذهب جمهور الأشاعرة وبعض الحنابلة.
القول الثاني: المنع مطلقا، وبه قال اكثر المعتزلة وحكي عن الإمام الشافعي ورجحه ابن الحاجب، وحكاه بعض المتأخرين كالشوكاني عن الجمهور.
القول الثالث: منع التكليف بالممتنع لذاته وهو المحال عقلاً وعادة، وجوازه بالممتنع لغيره وهو الممتنع عادة فقط، للإجماع على الأخير، وبه قال الآمدي والمعتزلة البغداديون.
الرابع ـ وبه قال إمام الحرمين ـ: أنه يمتنع التكليف بالمحال، أي طلب فعله، ولا يمتنع ورود صيغته غيرَ مراد بها الطلب مثل: {كونوا قردة خاسئين}، فقوله: (كونوا) صيغة أمر لكن لا يراد بها الطلب، أي أن الله لم يأمر بني إسرائيل بن يجعلوا من أنفسهم قردة،  قال الشارح المحلي: وهو في الحقيقة تنقيح مناط، ففي جعل المصنف له مذهباً رابعاً نظر، ولهذا قال ابن برهان: الخلاف على هذا لفظي، وقال غيره: إن هذا التقسيم باطل لان السؤال ليس عن مجرد صيغة افعل، وإنما هو عن التكليف.
قال المصنف: والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات
كان الكلام السابق يتعلق بجهة الجواز وعدمه، وذكرنا أنهم أن أهل العلم انقسموا على أقوال.
فالقائلون بالجواز اختلفوا في وقوعه على مذاهب:
المذهب الأول: الوقوع مطلقاً.
المذهب الثاني: عدم الوقوع مطلقاً، وحكي عن الجمهور.
المذهب الثالث: التفصيل فقالوا بعدم الوقوع في الممتنع لذاته كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى، مثل قلب الحجر ذهباً مع بقاء الحجرية، فانقلاب الحجر ذهبا مع بقاء الحجرية مستحيل لأن الحجرية صفة ذات فإذا زالت زال وصف الحجرية، كما نقول في الإنيان إنه حيوان ناطق فإذا زال وصف الحيوانية لم يعد إنسانا.
فهذا المذهب يفصل ويقول بعدم الوقوع في الممتنع لذاته ووقوع الممتنع لغيره فيجوز، وهذا ما رجحه المصنف، وحجة هذا القول: أن الله تعالى كلف الثقلين بالإيمان، وقال {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] فامتنع إيمان أكثرهم لعلمه تعالى بعدم وقوعه وذلك من الممتنع لغيره، وأما عدم وقوعه في الممتنع لذاته فللاستقراء.
والمصنف إنما استدل بالاستقراء؛ لأنه متعين في نفي وقوع الجائز إذ لو منع منه مانع عقلي لكان ممتنعا لا جائزا.
أخيرا أنبه إلى نقطتين مهمتين:
الأولى: أن هذه المسألة لها أهمية من حيث إسهامها في تشكيل التصور الشرعي لدى المختصين وإن كان تأثيرها العقدي أبلغ من الأصولي والفقهي، يلاحظ هذا من خلال النقطة التالية.
النقطة الثانية: أن الحق والصواب أن التكليف بالمحال لا يجوز ومجرد تصوره كاف في رده، أما نحو علم الله بعدم إيمان الكافر فهذا لا علاقة له بما نحن فيه لأن علم الله سابق لا سائق أضف إلى أن لدينا الآيات المحكمات التي تدل على عدم وقوع التكليف بالمشاق غير المحتملة فضلا عن المستحيل كقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ،(لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها)، (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به).
وثبت في السنة أن الله سبحانه قال: قد فعلت.
ففي المحصلة النهائية وهي المتعلقة بنا بوصفنا مكلفين أو بما يتعلق بالمجتهدين والمفتين أن الشريعة لا تأمر بما فيه مشقة لا تحتمل، ومن القواعد المقررة: رفع الحرج، والمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، وهذه قواعد شرعية تشمل جميع أبواب الشريعة لا الأحكام العملية فقط، ولأجل هذا كله كان الجمهور من القائلين بالجواز يمنعون وقوعه.
والحمد لله.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015