الرقابة الشرعية ضرورة دينية
الرقابة الشرعية ضرورة دينية
من المسلم به والمعلوم بداهة لدى كل مسلم أن الله ما خلق الخلق إلا لعبادته، وأنه في سبيل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب لكيلا يكون لأحد حجة على الله سبحانه.
وكان الإسلام هو المسك الذي ختمت به الديانات، وكان القرآن هو الكتاب
الأخير المنزل من الخالق على الخلق ليكون مرجعا لهم في حياتهم التي لا فصل فيها
بين الديني والدنيوي، والتي ليس فيها مكان لغير الله سبحانه.
وكانت السنة الصحيحة هي البيان لما في القرآن مطلقا )وما آتاكم
الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهو( وبهذا كمل الدين )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام الدين( ولا يستقيم
للمؤمن أن يرد ما أمر الله ورسوله به )وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن
يكون لهم الخيرة من أمرهم( .
وإن مما يميز هذا الدين الحنيف إضافة إلى كماله الذي لا يدانيه فيه دين آخر
يضاف إلى ذلك شموله، فلا يشذ عنه شيء ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ولهذا كان من
عقيدة المسلم أن لله سبحانه حكما في كل شيء كبر أم صغر، وأن هذا الحكم لا يخلو أن
يكون واجبا يلتزم به، أو مندوبا يستحب له فعله، أو حراما يمتنع من اقترافه، أو
مكروها، يفضل تركه واجتنابه، أو مباحا يخير بين فعله وتركه.
ويعتقد المسلم كذلك أنه في جميع ما سبق ينال الأجر الثواب والجزاء الجزيل
إن فعل ما يطلب فعله أو ترك ما يطلب تركه امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته.
وهذه الأحكام تدخل في كل أعمال الفرد لا يشذ عنها شيء بما في ذلك كل ما
يتوصل إليه العلم الحديث، أو التطور المتسارع، أو النواحي الجديدة والمتشابكة،
سواء في كل ذلك: المال والأعمال والإدارة
والأسرة والثقافة وغيرها.
ولهذا لا يقبل الإسلام من المسلم أن يكون مؤمنا في المسجد ملحدا في بيته أو
عمله.
تقيا في صلاته شيطانا في تعامله.
بل لا بد أن يخضع جميع نواحي حياته لدين الله سبحانه.
هذا وقد وبخ الله اليهود وأنكر عليهم إيمانهم ببعض أحكام الله وجحدهم لأخرى
فقال سبحانه: )أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء
مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ( [البقرة:85].
وأمر الله سبحانه المسلمين بأخذ الإسلام جملة فقال سبحانه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً( أي أخذه
بكافة شرائعه.
ولما كان الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه خطوة وطريقا من طرق الشيطان في
الإغواء نهانا سبحانه عن اتباع الشيطان في هذه الخطوة والسلوك معه في هذا الطريق
الموعر فقال سبحانه: )وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ([البقرة:208]
ونظرا لضرورة معرفة حكم الله كان لزاما على الأمة أن توجد العلماء الأكفاء
المؤهلين لاستنباط الأحكام الشرعية وتنزيلها على الوقائع، والقادرين على إيجاد
الحلول الشرعية للمشاكل التي تعترض المسيرة الحياتية في كافة أشكالها ومظاهرها.
ومن هنا كانت النصوص رافعة لشأن العلم والعلماء وداعية إلى التفقه في
الدين، لأنه بدون العلم الشرعي لن يكون هناك تعامل شرعي، وإن حاول البعض إدخاله
قسرا في الشرع، لأنه سيكون حينئذ ناتجا عن جهل، والجهل لم يكن يوما حجة في دين
الله.
وإنه بفضل الله سبحانه وبعد فترة قاتمة عاشتها أمتنا الإسلامية تحت ضل
أفكار مستغربة بزت عقيدة الكثيرين، وساقته في دياجير حياة مظلمة كالحة، لا يعرف
فيها المرء إلا الشهوة والشبهة، تلك الفترة التي حاول فيها البعض طمس معالم الدين
وتهميش دور العلماء بل وتصفية حياتهم وميراثهم أحيانا، أقول بعد تلك الفترة كتب
الله لدينه أن يعود، فكانت عودته مدوية أصمّت آذان المعرضين والمعادين.
وكان من نتائج تلك العودة أن قام لفيف من العلماء بمحاولة استدراك ما فات،
وتبيين أحكام الله للناس وإيجاد الحلول التي أثبتت التجربة نجاحها بشهادة العدو
قبل الصديق.
فكانت تجربة البنوك الإسلامية، والتي انتشرت في كثير من أقطار عالمنا الإسلامي،
ووجد المسلم فيها ضالته التي لطالما بحث عنها وافتقدها.
وقد تميزت البنوك الإسلامية فيما تميزت به ما يعرف بالهيئة الشرعية التي
تقوم بالرقابة الشرعية على أعمال المصرف القائمة عليه، واعتماد التعاملات الصحيحة
ونفي ما كان باطلا مخالفا للإسلام وتعاليمه، وإصلاح وتعديل ما يمكن إصلاحه وتعديله
مما اختلط فيه الحلال بالحرام، والجائز بالممنوع.
ولقد لمسنا الآثار الطيبة لتلك الهيئات من خلال وفرة التعاملات النقية
الحلال، والتي شجعت الكثيرين لوضع أموالهم مطمئنين لسلامة مسار تلك البنوك.
لقد كانت فكرة الهيئة الشرعية هذه فكرة موفقة للغاية تتوافق مع مبدأ
المرجعية الذي حصره الإسلام في أهل العلم الشرعي فقال: )فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون(.
وكان من حقها أن تنتشر وتمتد لتصل إلى كافة الجوانب الحياتية الأخرى، ولا
تقتصر أو تقف عند المصارف الإسلامية.
والذي نطمح إليه أن تتوسع دائرة هذه الفكرة لتشمل المؤسسات المجتمعية
المختلفة، وكما بدأنا بالاقتصاد فنثني الآن بالإعلام، وما أراه أنه رغم كثرة
القنوات الإسلامية إلا أنها في معظمها إن لم يكن كلها ليس لديها هيئات شرعية على
منوال ما في البنوك الإسلامية.
رغم ما للإعلام من خطورة وقدرة على التأثير وصياغة الأفكار وصنع القرار
وتوجيه الكبار بله النشأ.
وحري بنا الآن بعد أن قطعنا أشواطا في صناعة المال وحققنا نجاحات جيدة
تتطلب الاستمرار والمواصلة حري بنا الآن أن نلتفت إلى صناعة التوجهات وفق الشرع
الإسلامي وهديه.
أقول هذا لأني وجدت بعض هذه القنوات كثيرا ما تنبو عن الشرع وأحكامه، مما
يؤثر سلبا على قضية التدين لدى كثير من المشاهدين ذكورا وإناثا ، صغارا وكبارا، بل
يحتج البعض لأعماله التي قد تكون مخالفة للشرع يحتج بما في هذه القناة أو تلك ممن
تتبنى المنهج الإسلامي.
إن وجود هيئة شرعية للإعلام الإسلامي ضرورة يحتمها الشرع كي لا تحيد تلك
الوسيلة الإعلامية أو تميد.
وضرورة من أجل نماء المشروع الإسلامي في جوانبه المختلفة خصوصا فيما نحن
بصدده، وهو الإعلام.
وضرورة من حيث استيعاب هذه الوسيلة واستغلالها الاستغلال الأمثل في نشر
الدين وتعاليمه بين الناس.
كما أن في وجود تلك الهيئات سبيلا لتجديد كثير من المضامين الإعلامية بما
يدعو أو يتوافق مع الشرع الحنيف، إذ إن هناك الكثير من القضايا والمواضيع التي
ينبغي أو يمكن إخراجها في قوالب إعلامية متنوعة تعالج مشاكل فكرية أو اجتماعية، أو
توضح جوانب معينة دينية أو ثقافية أو تاريخية أو غيرها.
- المستشفيات والمراكز الصحية:
وعلى صعيد آخر تكثر فيه المخالفات الشرعية عن عمد أو جهل وقد تبرر هذه
المخالفات بحجج واهية، رغم خطورة الثغرة الذي يسده هذا المرفق ألا وهو المستشفيات
ونحوها .
فتشكيل هيئات رقابة شرعية لتلك المستشفيات ضرورة دينية ودنيوية، والرابح
الأول لوجود هذه الهيئات هي المستشفيات نفسها من جهات عديدة أهمها تعبيد هذا
المرفق لله سبحانه والذي يساهم في نقاء ومشروعية أعمال وأرباح المشفى، والسمعة
الطيبة التي سيتمتع بها من خلال إجراء تعاملاته وفق موافقة هيئة شرعية مما يساعد على
نماء القاصدين له ونماء الاستثمار.
ومما لاحظت أن كثيرا من الإشكاليات التي تقع فيها بعض المستشفيات ناتج عن
مخالفات شرعية، في حين لو تفادى المشفى تلك المخالفات لتفادى الكثير من المشاكل،
ولجنب نفسه وغيره الكثير من المتاعب.
إذن في وضع هيئة شرعية أو حتى مستشار شرعي تحقق بعبادة الله حق عبادته وشكره
تعالى على نعمه في هذا المجال، كما أنه ضمان لنمو المال الحلال، وتفادي المال
الحرام الذي يمحق البركة في النفس والنسل والمال والعرض بل إنه قد يقضي على الدين.
وأنبه هنا إلى قضية مهمة وهي أن الكثير بل الأغلب من الأطباء درسوا الطب
بقالبه الغربي الذي لا يعترف أساسا بحكم الله على خلقه، ولا يؤمن أصلا بوجوب طاعة
الإنسان لخالقه، ولا يصدق بوجود تشريع سماوي شامل لكافة مناحي الحياة.
كما أنه كثيرا ما يغفل الجوانب الأخلاقية والعرفية.
أما عن موقفه من الإسلام فشيء لا يحتاج إلى بيان، ولهذا ليس غريبا أن تجد
بعض الأطباء يتصرف وكأنه في دولة غربية زاعما أن بعض المحرمات الشرعية كالخلوة
بالأجنبية أو كشفه أو فحصه الطبي لها إنما هو مجرد تقاليد بالية، وقد يجهل بعض
هؤلاء أن هذا حكم الشرع الذي يجب تنفيذه، ولا يجوز رده، وأن الواجب عليه ألا يقدم
على ما فيه معصية الله ولو كان بموافقة المريض، وأن عليه توجيه المريض للأسلوب
الأمثل المتوافق مع الشرع كي يصون دينه ودين مرضاه، ويحوز الأجر والثواب والسمعة
الطيبة والقبول الواسع.
وهناك مشكلة أخرى وهي أنه مما زاد الطين بلة أولئك الأطباء المستقدمون
والذين يغلب عليهم الإلحاد فتسببوا بمخالفات شرعية فادحة في مظاهر عدة.
والضرورة نفسها تقال في الشركات والمؤسسات التجارية والخيرية، العامة
والخاصة.
وكما يوجد مستشار قانوني لا بد من وجود مستشار شرعي، بل قد يكون هذا واجبا
لأنه لا يتم معرفة المباح من غيره خاصة في الجهات التي تتعقد وتتنوع تعاملاتها إلا
بمستشار شرعي وعليه فوجوده واجب شرعا.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات