-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 9 فبراير 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

من أحكام المال الحرام


كثيراً ما يسأل الناس بما فيهم طلبة العلم عن مسائل متعلقة بالمال الحرام، فارتأيت أن ألخص هنا جملة من هذه المسائل لمريد الفائدة، ومحب الإفادة، خاصة أن كثيرا من هذه المسائل منثورة بين طيات الكتب وقد يصعب على البعض العثور عليها في مظانها.
يرجع سبب المال الحرام إلى الأسباب التالية:
1-        لم يأذن به الشرع، ولو أذن به مالكه: كالربا والرشوة والسرقة  والتجارة فيما يحرم المتاجرة فيه كالخمر والمخدرات وغيرها.
2-                                لم يأذن به مالكه: كالغصب.
ولا يطهر هذا المال لصاحبه المسلم بل هو مال حرام يجب التخلص منه.
أم الكافر لو أسلم وفي يده مال حرام ناتج عن ربا مثلا أو غيره فلا يطالب بالتخلص منه، لأن الإسلام يجب ما قبله، قال تعالى: )فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف( فيجوز له التصرف في هذا المال.
وهذا بخلاف ما لو قبض المال الحرام بعد إسلامه فمنا اختلف الفقهاء على قولين:
-             الجمهور على عدم جواز أخذه، للآية السابقة التي تدل على تجاوز ما حدث أثناء الكفر أما ما وقع بعد الإسلام وهو هنا أخذ المال فإنه لا يجوز أخذه لأنه لا يدخل تحت معنى الآية.
-             في حين ذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك ونظروا إلى العقد وقالوا بأن هذا المال ثمرة لعقد وقع في الكفر، وقد تجاوز عنه الشرع فيلحق بها القبض لأنه أثر من آثاره.
وهنا يرد سؤال كثيرا ما يستفتى عنه وهو وضع المال في البنك الربوي وأخذ الفائدة عنه خاصة من شخص كان يفعل ذلك ثم تاب.
والجواب على ذلك ما يلي:
أولا: يحرم على المسلم أن يضع ماله في بنك ربوي، لأنه تعاون على الإثم والله يقول: )ولا تعاونوا على الإثم والعدوان( ولأنه أيضا يعرض نفسه للوقوع في الحرام، وهو أخذ الربا (الفائدة).
ويستثنى من هذا ما لو انعدم مصرف إسلامي في بلده أو مكان آمن يستطيع حفظ ماله فيه حينئذ يجوز له إيداع ماله في بنك ربوي شريطة أن يأخذ الفائدة الربوية ويتخلص منها بتوزيعها على الفقراء والمساكين أو أن يبني بها مرفقا عاما ينتفع به المسلمون كدور أيتام ونحو ذلك إلا المسجد فلا يكون إلا بمال طيب حلال.
أما إذا خاف على نفسه الميل لأخذ الربا خاصة إذا كان مبلغا طائلا فلا يجوز له حينئذ أخذها.
ثانيا: ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن من وقعت منه هذه الكبيرة فعلية التوبة والإقلاع عنها والندم والعزم على عدم العودة لفعل هذا المنكر، ويكون المال الزائد (الفائدة) ربا حراما يجب التخلص منه لقوله سبحانه وتعالى: )َوإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ( [البقرة:279].
ثالثا: إذا أخرج المال الحرام فعاد فقيرا يجوز له أن ينفق منه على نفسه وعياله ويخرج الزائد، كما يجوز له أن يقتطع منه مبلغا يبدأ به حياة جديدة بما يكفيه دون زيادة، فلو كان تاجرا فيجوز له أن يأخذ مالا يستطيع أن يفتح به تجارة يكفيه ريعها.
ولو كان مزارعا يجوز له شراء أرض ليزرعها بحيث يكفيه ريعها عامه كله.
ولو كان عاجزا عن عمل أي شيء فيجوز شراء بيت ينتفع بريعه الذي يكفيه ولا يأخذ بيتا له ريع زائد عن حاجته، وهو في كل ذلك إنما يأخذ المال بمسمى الفقر والمسكنة لا لشيء آخر، كما أنه خاص بالمال الذي لا يُعلم عين مالكه، أما المال الذي يعلم مالكه فلا يجوز التصرف فيه بل الواجب رده إلى صاحبه.
النفقة على العيال من المال الحرام:
سأل طالب في أحد دروس المنهاج عن شخص مصدر كسبه حرام كبعض المغتربين في أمريكا الذين يبيعون الخمور ولحم الخنزير في بعض المتاجر الأمريكية، ويرسلون لأولادهم المال هل يجوز لهم أخذه؟
وكان الجواب: أننا نقسم من يعولهم هذا الشخص على قسمين:
الأول: الأطفال الصغار أو العاجزين عن الكسب فهؤلاء يجوز لهم أخذه، لأنهم مضطرون على ذلك.
الثاني: الكبار القادرون على الكسب أو كان لهم مال حلال فهؤلاء لا يجوز لهم أخذه، لأنه مال حرام.
اختلاف الدور لا يحلل الحرام:
وهنا يذكر البعض قول أبي حنيفة من أنه يجوز للمسلم أن يرابي في بلاد الكفر، وعليه فيجوز أخذ الربا في البلاد الأجنبية.
ويجاب على هؤلاء بما يلي:
1-        أن هذا القول على جلالة قائله ضعيف لأنه مخالف للدليل وهو قوله تعالى: )وحرم الربا( ولم يفرق بين دار الإسلام ودار الحرب فهو عام يجب العمل بعمومه حتى يأتي المخصص.
2-                                أن الجمهور –تبعا للدليل- من السلف والخلف على خلافه.
3-        أن دليل أبي حنيفة في هذه المسألة حديث ضعيف لا يصح هو: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب"
4-                                أن الدور لا تأثير لها في الأحكام خاصة فيما يتعلق بالقيم كالربا.
5-                                أن أبا حنيفة خصه بدار الحرب ولم يعم دار الكفر وفرق بين الدارين.
6-        يلزم هؤلاء الفرحين بهذا القول أن يلتزموا الأحكام الأخرى المتعلقة بدار الكفر ومنها: قطع التجارة معهم، وحرمة دخولها إلا لحاجة، ومن دخلها لغير حاجة سقطت عدالته...الخ.
7-        أن هذا القول غفلة عن واقع الاقتصاد اليوم الذي ينبني على الوفرة المالية، والتي تعني بالنسبة للبنوك زيادة الأرباح تبعا لزيادة المودعين، فهذا يعني تنشيطا لتلك البنوك وأنه هي الرابح الأكبر من هذه العملية لا ما قد يتخيله هؤلاء من أن المسلم هو الرابح الأكبر، زد على ذلك ما يترتب على هذا القول من هروب لرؤوس الأموال الإسلامية وهجرتها إلى بلدان أخرى مما يعني ضربة موجعة لاقتصاد بلاد الإسلام وإسهاما في تدوير النشاط الاقتصادي الأجنبي.
معاملة أصحاب المال الحرام:
سأل أحدهم عن عمله يعطيه وأخاه مالا وهدايا، والأخوان يعلمان أن مصدر مال عمهما حرام، ويخشيان غضب عمهما إذا رفضا أخذ تلك الهدايا، فهل يجوز لهما أخذها؟
وللإجابة على ذلك كان ينبغي سؤالهما سؤالين:
الأول: هل لعمهما مصدر حلال أم كل مصادر كسبه حرام، فأجابا بأن جميع كسبه حرام.
الثاني: عما إذا كانا فقيرين، فأجابا بالنفي.
وعليه كان الجواب بعدم جواز أخذ هذا المال، لأنه مال حرام، وفي حالة خشية حدوث مشاكل إذا رفضا فيجوز حينئذ الأخذ ثم التخلص منها بإعطائها للفقراء والمساكين.
لكن قالوا بأنه يريدنا تناول بعض تلك الهدايا المطعومة أمامه.
فأجازنا لهم تناولها شريطة إخراج ثمنها، والله أعلم.
إن مسألة العامل مع حائز المال الحرام مسألة تشكل على كثيرين، وخلاصتها، أننا نقسم التعامل مع حائز المال الحرام على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التعامل معه في عين المال الحرام، وهذا لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون هذا المال نقدا، كما لو قامر أحدهم فربح مبلغا ماليا ثم أراد أن يشتري بعينه شيئا فلا يجوز حينئذ التعامل معه، لأن في هذا إقرار للفعل الحرام، وتصحيحا لملكه ذلك المال.
الحالة الثانية: أن يكون عرضا أي غير نقد كسيارة غصبها ثم أراد بيعها أو هبتها، فهذه كذلك يحرم قبولها أو التعامل معه بعينها، للعلة السابقة، ولأن في ذلك تفويتا لمالكها الأصلي بل الواجب على الغاصب أو من أعطيت له إرجاعها لصاحبها وإلا فهو معين له في الإثم وغاصب لها كذلك.
القسم الثاني: التعامل مع من اختلط ماله الحلال بالحرام، وفي هذه المسألة عدة أقوال هي:
القول الأول: يجوز معاملة من أكثر ماله حلال ويحرم إذا غلب الحرام اعتبارا بالأغلب، وهذا قول الحنفية والمالكية واختيار الشيخ ابن تيمية.
القول الثاني:يجوز معاملته مطلقا سواء قل الحرام أو كثر وهذا قول الشوكاني محتجا بجواز معاملة الكفار وأموالهم يغلب عليها الحرام فكيف لا نجيز التعامل مع المسلم.
وفي هذا القول نظر ظاهر، إذ هناك فرق جلي بين حكم الكافر الذي لا يؤمن بالإسلام وتعاليمه فيقر على ما في يده قبل الإسلام وبعد إسلامه، والمسلم الذي يؤمن بالإسلام وتعاليمه ويجب عليه الالتزام بها ولهذا يجب عليه التخلص من المال الحرام في كل أوقاته.
القول الثالث: حرنة التعامل معه مطلقا لا بيعا ولا شراء ولا يجوز قبول هديته ولا أكل طعامه، وهذا قول أصبغ من فقهاء المالكية، وعلله قوله بشيوع المال الحرام في المال كله مما يتعذر تمييزه وعليه يكون المال كله حراما.
القول الرابع: يكره مبايعة من أكثر ماله حرام وقبول هديته وأكل طعامه، أما إذا كان كل ماله حراما فلا يجوز التعامل معه.
وحجة هذا القول أن الأصل في المال والتعامل به الإباحة، ولا يثبت التحريم بالاحتمال، كما أن الاحتمال قائم أن يقع التعامل بالحلال، والظاهر أن الإنسان يملك ما بيده حتى يظهر خلافه.
وهذا هو القول السديد في المسألة وهو قول فقهاء الشافعية.
القسم الثالث: من وقع الشك في وقوع الحرام في ماله:
فهذا يجوز التعامل معه حملا له على السلامة ولأن الأصل هو الحل، وما كان وراء ذلك من شكوك لا تقوم على قرائن مجرد وساوس لا ينبغي مجاراتها، والسؤال عن مصادر أموال الناس بدعة لم تكن في عهد السلف.
وبناء على هذا أجبت عن سؤال أحدهم والذي مفاده أن شخصا أعطاه مالا ليعتمر به، وقال السائل بأنه قيل له أن الرجل المعطي يتعامل باشياء محرمة وأنه لا يجوز له قبول هذا المال ولا أداء النسك به؟
فأجبته بأن الشك هنا لا يحرم التعامل، وأنه يجوز له أخذ المال ,اداء النسك به، وليس عليه من إثم صاحبه شيء إذا كان كما قيل.
خاصة وإن تيقن بوجود المال الحرام فهو غير متيقن ما إذا كان قليلا أم غالبا وفي كلتا الحتين يجوز له أخذه كما قررنا آنفا.
وبع سؤاله ما إذا كان لصاحبه هذا دخل حلال يعلمه، قال: نعم، وعليه فالتعامل مع من هذا حاله جائز.
أداء الحج ونحوه بالمال الحرام:
وهذا السؤال يقودنا إلى قضية أخرى وهي أداء النسك لمن كان ماله حراما، هل يصح حجه أو لا؟
عندما يتناقش بعض الناس في هذه المسألة يذهب الجمهور منهم إلى النفي.
لكن عندما تعرض المسألة على الفقهاء نجد الجمهور منهم على الإيجاب، بمعنى تصحيح هذا النسك، لعلة بسيطة جدا، وهي أننا عندما نتكلم على الحج نعدد له شروطا وأركانا، ولا يكون منها كون المال حلالا.
بعبارة أوضح نقول بأن المال الحلال شرط في الوجوب وليس شرطا في الصحة، لأن الحج هو عبارة عن أقول وأعمال مخصوصه، فلا تلازم بين هذه الأعمال وما ينفقه الحاج من مال.
وعليه تبرئ ذمته، لكنه يأثم بإنفاقه المال الحرام.
كان هذا هو قول الجمهور، في حين ذهب مالك وأحمد في رواية إلى عدم صحة حجة، وعدم براءة ذمته تبعا لذلك، مستدلين بقوله تعالى: )إنما يتقبل الله من المتقين( .
وأجيب عن استدلالهم بأنه ليس نصا في المسألة.
بناء المساجد بالمال الحرام:
ذكر أحدهم أن مغنيا بنى مسجدا في قريته، فرفض الناس الصلاة فيه محتجين بأنه مبني من مال حرام وهو المال الناتج عن غناء المغني، وهو الآن يسأل عما إذا كان هذا الموقف سليما أم أنه يجوز أداء الصلاة فيه دون حرج؟
وكان الجواب أن الفقهاء اختلفوا في حكم بناء المسجد بالمال الحرام على قولين:
الأول: الجواز إذا لم يكن المالك معلوما كما في الحالة المسؤول عنها، وعللوه بأن المال الحرام إذا كان مجهول المالك يصبح من حق الفقراء والمساكين والمصالح العامة.
الثاني: عدم الجواز، وأن مصرفه الشرعي الفقراء والمساكين فقط، لأن المال الحرام مال خبيث لا يصح أن يدخل في بيوت الله.
وإذا رجحنا هذا القول نفصل: بأن يقال إذا كان له مصر حلال آخر فيجوز وتصح الصلاة فيه، وإلا بأن كان ماله متمحضا حراما فلا.
والذي أراه جواز الصلاة فيه مطلقا، إلا إذا كان المال الذي بني به كالأرض والأحجار ونحوها معلومة المالك فلا يصح الصلاة فيه ردعا للغاصب وأمثاله كي يكف عن غصبه ويكون عبرة لغيره، فالحرمة هنا من باب سد ذريعة الفساد.
وإلا فالصلاة في الأرض سواء كانت مغصوبة أم لا صحيحة كما هو مذهب الجمهور، إذ إن حلّ الأرض ونحوها ليس من أركان أو شروط الصلاة.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015