الإيمـان باليوم الآخـر
إن الإيمان باليوم الآخر من
أركان الإيمان التي ورد ذكرها في حديث جبريل الشهير، والذي يعني ضرورة التعرف لهذا
الركن وما يتعلق به من قضايا يجب الإيمان بها، وفي هذه الصفحات بيان لهذا الركن
العظيم في عقيدة المسلم مبينا لمعناه وأهميته وأدلته وثماره وغيرها من القضايا
المهمة.
أولا: معنى الإيمان باليوم الآخر:
معنى الإيمان باليوم الآخر أن
نعتقد اعتقاداً جازما بكل ما أخبر به الله تعالى في القرآن الكريم أو ما ذكره
النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه والبعث
والحشر والصحف والصراط والحساب من الميزان والجنة
والنار قال تعالى : ( ليس البر أن تولوا
وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر
من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب )البقرة –177 [1].
واليوم الآخر يبدأ بفناء هذا
العالم فيموت كل من فيه من الأحياء وتتبدل هذه الأرض بغيرها والسماوات ثم يبعث
الله الناس جميعاً من أولهم إلى آخرهم ويرد إليهم الحياة مرة أخرى .
وبعد البعث يحاسب الله كل فرد
على ما عمل من خير أو شر فمن غلب خيره شره أدخله الله الجنة .. ومن غلب شره خيره
أدخله الله النار إن شاء، وأما من كفر فمأواه النار لا محالة.
وتسبق قيام الساعة علامات تدل
على قرب وقوع الساعة منها علامات صغرى وعلامات كبرى فمن العلامات الصغرى :
أ- بعثة نبي الإسلام محمد
صلى الله عليه وسلم . وختم النبوات والرسالات به .
ب- انتشار الزنى
وشرب الخمر والمنكرات وكثرة النساء وقلة الرجال .
ت- حدوث الفتن
والمصائب في المسلمين وكثرة الموت بالزلزال والأمراض وعقوق الأمهات .
ث- قلة البركة في
الأوقات وقلة العلم الإسلامي الذي يدعوا إلى العمل .
ومن العلامات الكبرى :
أ-
خروج المسيح الدجال :
ب-
نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض .
ج-
خروج الدابة التي تكلم الناس .
خ- خروج دخان كثيف يملأ ما بين
السماء والأرض
هـ- طلوع الشمس من المغرب .
وسمي اليوم الآخر آخراً لأنه ليس بعده
يوم.
ثانيا: أهمية الإيمان باليوم الآخر:
إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان
الإيمان، ولا يمكن أن تستقيم للبشر حياة أو نظام أو علاقة أو أعمال إلا بالإيمان
باليوم الآخر.
وإن مما يلفت الانتباه إلى خطر الإيمان
باليوم الآخر وأهميته ومنزلته عند الله تعالى أنه عز
وجل جعله قرين الإيمان به، سلبا وإيجابا في آيات كثيرة
جدا من كتابه الكريم، وكذلك ورد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن الله تعالى خلق البشر في هذه
الحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وخلق الآخرة ليجزي الذين أحسنوا
بالحسنى، ويجزي الذين أساءوا بالسوأى.
هذا وإن الإيمان باليوم الآخر من صميم
معنى الإيمان بالله وقد اقترن الإيمان باليوم الأخر بالإيمان بالله في عدة مواضع
من القرآن قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. البقرة: 62.
وقال تعالى: )ولا
يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن
يؤمن بالله واليوم الآخر(. البقرة: 228.
وقال تعالى:)ذلك
يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر(.
البقرة 232.
وقال تعالى: )ليسوا
سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات
الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين(.
آل عمران:113-114.
وقال تعالى: {لكن الراسخون في العلم
منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك
والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم
الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما}. النساء: 162.
وغير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر مقترنا
بالإيمان بالله في الإثبات.
ومن الآيات التي ذكر فيها الإيمان
باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في النفي، قوله تعالى: )ومن
الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين(
البقرة: 8.
وقوله تعالى: )يا
أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله
رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر(.
البقرة: 26.
وقوله تعالى: )ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا(. النساء: 136.
وقوله تعالى: )ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا(. النساء: 136.
وقوله تعالى: )قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر(التوبة:5
وقال تعالى: )لا
يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا
بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا
يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون(
التوبة: 44-45 [وفي هاتين الآيتين اجتمع النفي
والإثبات في اقتران الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله]
وأما الأحاديث فهي أيضا كثيرة، منها:
حديث أبي شريح، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن مكة حرمها
الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا)[2].
وحديث أبي هريرة، رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا[3](
وحديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه،
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا
يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)[4]
ثالثا: الأدلة على الإيمان باليوم الآخر:
-
الأدلة النقليّة:
1-
إخباره تعالى عن اليوم الآخر: ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
فقد ضل ضلالاً بعيدا ) [سورة النساء 336]
وقوله:
(
إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا
غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) سورة
يونس 7-8
وقوله
سبحانه وتعالى: ( إنما توعدون لصادق * وإن الدِينَ لَوَاقع ) سورة الذاريات 5
وقوله:
(
وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) سورة الحج 7
وقوله
تعالى: )زعم الذين
كفروا أن لن يبعثوا قُل بلى وربي لََتبعَثُنّ ثم لتنبّؤنّ بما عملتم وذلك على الله
يسير( سورة التغابن 7
وقوله:
)ألا يظن أولئك
أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين( [سورة المطففين
5]
وقوله
: (
لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه *
بلى قادرين على أن يسوي بنانه)سورة القيامة 1 – 4
وقوله:
(
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر
الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا
كاذبين * إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول كن فيكون ) سورة
النحل 38 – 40
وغيرها
من الآيات .
2-
إخباره صلى الله عليه وسلم لما قال له جبريل عليه السلام : أخبرني عن الإيمان قال:
(
أن تُؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه، ورُسُله ، واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره )
رواه البخاري ومسلم ، ونحو ذلك كثير وكثير.
3-
اتفاق جميع الأديان السماوية ، وإيمان الملايين من الأنبياء ، والمرسلين ،
والحكماء ، والعلماء ، والصالحين من عباد الله ، باليوم الآخر وبكل ما ورد فيه ،
وتصديقهم الجازم بذلك.
- الأدلة العقلية:
1-
صلاح قدرة الله الخالق على إعادة الخلائق بعد فنائهم ، لأن إعادتهم ليست بأصعب من
خلقهم ، وإيجادهم على غير مثال السابق.
2-
تأكدنا من صدق الرسول صاحب الآيات والمعجزات التي تشهد للعقول بصدق رسالته ،
وعلمنا أن الله أسرى برسول الله ، فرأى الجنة والنار، وحمل إلينا كلام الله، الذي
خلق الحياة الدنيا ، والحياة الأخرى ، وأخبرنا عن الحياة التي تنتظرنا بعد موتنا.
فعلمنا
بالدار الآخرة جاءنا من أوثق المصادر ، من الذي خلق الدنيا والآخرة ، ومن رسوله
الذي رأى الجنة والنار ، ذلك وعد الله والله لا يخلف الميعاد.
3-
ولقد أخبرنا رسوله الله بأمارات ستقع في الدنيا ، تكون علامة على قرب الساعة
فشاهدنا الكثير منها .
وما
شاهدنا من علامات الساعة يؤكد لنا صدق ما أخبرنا الرسول به عن الساعة والآخرة ،
وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً بعد ألف وأربعمائة عام فسنرى الجنة والنار
حقا ، يقول الله تعالى: ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد
وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذّن مؤذن بينهم أن
لعنة الله على الظالمين ) سورة
الأعراف 44
4-
خالق الإنسان أكمل من الإنسان ، والإنسان يُحب العدل ، ولا شك أن الله هو الذي خلق
العدل في الأوليين والآخرين ، وما عدل الناس جميعا إلا قبس من عدل الله ، فالله هو
العدل الحكيم.
ومن
العدل أن يثاب المُحسن ، ويعاقب المُسيء ، ولكن هذه الدنيا لا يتحقق العدل فيها –
وقد علمنا عدل الله – لذلك تجزم العقول بأن الله لا بد أن يُقيم موازين العدل في
حياة أُخرى ، قال تعالى : ( أفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين * ما
لكم كيف تحكمون ) سور( ن ) 35 -
36
ويقول
سبحانه: (
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلك نفس شيئا.. ) سورة الأنبياء 47
5-
وإذا نظرنا إلى خلق السماوات والأرض نجد أن كل شيء قد وضع في مكانه اللائق به ،
فالسماء وما فيها من نجوم وكواكب ، وليل ونهار ، والأرض وما فيها من نبات وحيوان ،
وإنسان ، وجماد ، وكل شيء قد وضع في مكانه اللائق به بالحق.
فالقلب
في مكانه والعين في مكانها والورقة في مكانها على الشجر، والزهرة في مكانها،
وهكذا.
ولا
نجد مُخالفة للحق في الأرض والسماء إلا في حال الإنسان ، فنجد الظالم في غير مكانه
، وقد نجد النبي المرسل مطارد يؤذيه السفهاء.
فلماذا
لا نرى الحق قائماً في حياة الناس ، كما قام في خلق الأرض والسماء ؟؟
إن العقول تدلنا على أن الذي
خلق السماوات والأرض بالحق ، لا بد أن يقيم الحق
في أحوال الناس ، وإذا كان هذا لا يكون في الدنيا نظراً لكونها دار ابتلاء
وامتحان... فلا بد أنه يتحقق في الدار الآخرة ، قال تعالى : ( أم حسب الذين اجترحوا
السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما
يحكمون * وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون)
سورة الجاثية 21 – 22
6- وإذا تأمل الإنسان كيف
حَفِظَهُ الله وهو نطفة من ماء مهين، أو هو علقة كما تولى الله حِفْظَه سبحانه
طوال حياته ، من تأمل هذا تأكد أن الله لا يضيع الإنسان بالموت، ويجعله يذهب سُدى
، فالحكيم الذي يحفظ الأجزاء الصغيرة لا يضيع الخِلْقَةَ التامة، قال تعالى: (
أيحسب الإنسان أن يترك سُدى * ألم يك نُطفة من منيٍ يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى *
فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحْيِيَ الموتى) سورة
القيامة 36 – 40[5]
رابعا: ثمار الإيمان باليوم الآخر:
1- الإيمان باليوم الآخر يدفع إلى طاعة
الله:
إن المسلم حين يؤمن باليوم الآخر وأنه
سيحاسب على ما كسبت يداه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، يدفعه هذا إلى عمل الطاعات
والمسارعة فيها ومراقبة الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، وهو في كل شؤون حياته
مراع لحقوق الله في عبادته وحقوق الناس في تعامله ومعاملته.
والعكس عندما ينعدم هذا الإيمان فلن
تجد إلا المسارعة في الباطل والطغيان والجحود للخالق والمخلوق والنزول بالمستوى
الإنساني إلى الحضيض، فهل يستويان {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون
يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين}. آل عمران:
113-114.
2- تسلية المؤمن عما يفوته من نعم الدنيا
ومتعها:
الإيمان باليوم الآخر يجعل صاحبه هادئ
البال إذا ما رأى غيره يتقلب في النعم الدنيوية ويتمتع بملذاتها إذ إنه يرى الدنيا
دار ممر وأنم الآخرة هي دار الراحة والاستقرار، وأنه يرجو من الله نعيم الجنة
والذي لا يدانيه أي نعيم دنيوي.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات