أثر الاختلاف العقدي على وحدة الأمة
كثيرا ما
أتساءل ويتساءل آخرون عن سبب التمزق والتفرق الذي عانت وتعاني منه الأمة قديما
وحديثا، إذ مرت بالأمة المسلمة فترات عمل فيه التمزق عمله حتى أصبحت الأمة الواحدة
أمما والشعب الواحد شعوبا، وكثر التفرق والتشرذم في العصور المتأخرة وخاصة عندما
ضعفت الخلافة الإسلامية في العهد العثماني ثم ازداد الأمر سوءا مع انفراط عقد
الخلافة فتناثرت حلقاته يمنة ويسرة وانتهى الأمر بالشتات والانفصال الذي أدخل
الأمة في متاهات ومتاعب ومشكلات جسيمة عانت منها ولا زالت إلى اليوم، وأقضت مضجع
علماء ودعاة الدين.
وعند التأمل
في الأسباب التي أدت إلي ما نحن فيه نجد هناك جملة من الأسباب المترابطة
والمتداخلة، بحيث قد يعجز البعض عن تحديد موضع الداء ومكمن الخلل.
يجعل البعض من
الاختلاف العقدي في الأمة أهم سبب للفرقة، وأنه يمثل جذرا تفرع عنه الكثير من
المشكلات والتي أصبحت بعد ذلك سوسا ينخر في جسد الأمة الواحدة، ليصيبها في مقتل في
نهاية المطاف.
وفي الأوراق
القادمة سنحاول مناقشة هذه القضية الشائكة، والجواب على سؤال مفاده: هل الاختلاف
العقدي أدى أو يؤدي إلى الفرقة والاختلاف، أم أن الأمر بخلاف ذلك؟
أولا: تحديد المفاهيم:
سنعرف أولا
مفردات العنوان فنحدد مفهومها والمراد منها كي يتحدد وينضبط لنا مسار الموضوع
ويتميز لنا إطار البحث وما نتكلم فيه.
1- أثر: للأثر ثلاثة معاني: الأول بمعنى النتيجة: وهو الحاصل
من شيء، والثاني بمعنى العلامة، والثالث بمعنى الجزء[1]،
والذي يعنينا من هذه المعني هو الأول، فنريد أن عرف أثر أي نتيجة الاختلاف..
2-
الاختلاف: هو ضد الاتحاد وسواء كان الاتحاد فكريا أم سياسيا..
وكلمة العقيدة لم ترد في القرآن الكريم وإنما وردت مادتها فقط في مثل قوله
تعالى:{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} (النساء:33) ، وقوله
تعالى:{وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ
أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ
وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}(البقرة:235).
أما العقيدة في اصطلاح علماء التوحيد فهي "الإيمان الذي لا يحتمل
النقيض"[3].
4-
الوحدة: هي ضد الافتراق ونعني بها هنا الوحدة السياسية بدرجة كبيرة.
5- الأمة: وتعني في اللغة الطريقة والجماعة[4]،
ونعني بها هنا أمة الإجابة وهي أمة الإسلام بصفتها أمة واحدة يجمعها كيان واحد.
ثانيا: أنواع
الاختلاف:
ينقسم الخلاف
في الإطار الإسلامي على قسمين: خلاف محمود، وخلاف مذموم.
أما المحمود
فالمراد به الخلاف الذي هو ناتج عن اختلاف أنظار الفقهاء المجتهدين نظرا لظنية
النصوص ثبوتا أو دلالة فهذا الخلاف محمود بل هو دليل على حيوية الدين الإسلامي،
وأكثر ما يكون هذا في الفقهيات أي المسائل المستنبطة من النصوص والتي يغلب عليها
الجانب العملي، ويندرج في هذا النوع الخلاف بين المدارس الفقهية المتنوعة: الحنفية
والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم من المدارس التي اندثرت كالظاهرية
والأوزاعية والإسحاقية، وفي هذا الخلاف قال علماء الإسلام: نتعاون فيما اتفقنا فيه
ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وقالوا: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذا
قاعدة عظيمة اتفق عليها فقاء الإسلام.
أما الخلاف
المذموم فالمراد به الخروج عن المسلمات الإيمانية من اعتقاد أو قول أو عمل والذي
يوصف صاحبها بالكفر أحيانا وبالبدعة أحيانا أخرى، وهذا هو المراد في هذا البحث،
فالخروج على ثوابت الدين بحيث يوصف الخارج بالكافر أو المبتدع هو الاختلاف المذموم
الذي نهى عنه الشرع يقول سبحانه {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ
تَفَرَّقُواْ }آل عمران103، والمراد بحبل الله دينه، ولا شك أن الابتداع في الدين
خروج عن الدين وعدم تمسك به، فكيف عندما تصبح البدعة أصلا يفارق صاحبها بسببها
المسلمين بل ويشن عليهم الحروب الشعواء ويسفك دماءهم ويهتك أعراضهم ويفرق جماعتهم،
لا شك حينئذ أننا أمام قوم نابذوا أهل الإسلام الحرب وأنهم أضر على الأمة من
أعدائها التقليديين.
ويدخل في هذا
النوع من الخلاف الكثير من الفرق التي تسمت بأسماء تخصها كالخوارج والجهمية
والمعتزلة والشيعة وغيرهم ممن امتلأت كتب الفرق ببيان عقائدهم وأفكارهم التي
خالفوا بها المسلمين والذين سماهم العلماء بأهل الأهواء، كما امتلأت بذكرهم كتب
التاريخ مبينة الكثير من الفتن التي جرتها هذه الفرق من تضييع لحقوق الله وحقوق
الناس، وشق للصف مما سيأتي بيان بعضه في سياق هذا البحث والذي يعتبر شيئا يسيرا
مما ذكرته لنا كتب التاريخ والعقائد.
وتختلف هذه
الفرق قربا وبعدا من الحق بحسب قربها وبعدها عن القرآن والسنة، الناتج عن مفارقتها
ومباينتها لعلماء السنة من فقهاء ومحدثين، فبعضها يكون قريبا جدا من السنة، وبعضها
تبعد حتى إنها لتخرج من ربقة الإسلام.
ثالثا: حتمية افتراق الأمة:
ثبت في السنة عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "افترقت اليهود
على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث
وسبعين فرقة"[5].
وفي مسند
الشاميين للطبراني عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة
ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وإنه
سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه
عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما كان عليه نبيكم صلى الله
عليه وسلم فغيركم من الناس أحرى أن لا يقوموا به"[6].
فالأمة حتما
ستفترق إلى هذا العدد ولكن لا يعني هذا ضياع الحق ولا يعني هذا العدد كثرة أتباع
هذه الفرق، بل قد تكون الفرق أشخاص محصورين، أما أهل الحق فهم الغالبية ولا يزالون
ظاهرين حتى يأتي وعد الله.
رابعا: أسباب الاختلاف العقدي:
يمكن أن نجمل
باختصار أسباب الاختلاف العقدي فيما يلي:
1- اتباع المتشابه وهو ما لا يعلم معناه إلا الله، وترك
المحكم من النصوص وقد حذر الله هذه الأمة من اتباع المتشابهات ، فقال تعالى: )
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء
تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند
ربنا ([7] فالواجب الإيمان بالمتشابه ورده إلى المحكم ، فقد روى
الآجري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال عن الخوارج: "يؤمنون بمحكمه
ويضلون عند متشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به"[8].
2- اتباع الهوى: لا يقتصر اتباع الهوى على الكفر أو العصيان
واقتراف الكبائر بل يشمل كذلك اعتقاد المعتقدات البدعية.
3- الجهل: فلا شك أن من فارق المسلمين في عقيدتهم وشق صفهم
أنه جاهل بالدين وإن ادعى خلاف ذلك إذ لو كان كما قال لاتبع النور المبين.
4-
التصميم على إتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق وهو إتباع ما كان عليه
الآباء والأشياخ وأشباه ذلك وهو التقليد المذموم.
5- متابعة الأمم السابقة من اليهود والنصارى وقد ثبت في
السنة لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا
يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن"[9].
6- التأثر بالفكر الوافد من الفرس والهند واليونان فقد
ترجمت الكثير من الكتب الأجنبية وتأثر بها الكثيرون.
7-
كيد أعداء الإسلام ومن أشهر الأمثلة على هذا عبد الله بن سبأ اليهودي.
خامسا: تحديد مفهوم البدعة والفرق البدعية:
بعيدا عن
الجدل الدائر بين علماء الإسلام حول تعريف البدعة والتي في مجملها تدور حول
الابتداع العملي، والذي نرمي إليه هنا هو الابتداع العلمي (العقدي) ويمكن أن نقول
بأن البدعة العقدية هي المخالفة لماء جاء في القرآن وصحيح السنة وما ذكره السلف
الصالح من القرون المفضلة مما هو من أصول الدين، يقول الشاطبي: " إن هذه الفرق
إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة
لا في جزئي من الجزئيات إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق
شيعا وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية لأن الكليات تقتضي عددا
من الجزئيات غير قليل ... واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلي فإن المخالفة فيها أنشأت
بين المخالفين خلافا في فروع لا تنحصر ما بين فروع عقائد وفروع أعمال، ويجري مجرى القاعدة
الكلية كثرة الجزئيات فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير
من الشريعة بالمعارضة كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا"[10].
إذا الفرقة هي
الجماعة التي تجتمع حول أصل بدعي ويكون لها اسم خاص تفارق به جماعة المسلمين.
وفي هذا تندرج
الفرق السابقة الذكر فالخوراج اجتمعوا على أصول فاسدة فارقوا بموجبها جماعة
المسلمين وعرفوا باسم خاص، وكذلك الشيعة والمعتزلة وغيرهم.
ربما يسأل
سائل فيقول وأهل السنة كذلك يقال فيهم ما قلت في غيرهم فهم قوم اجتمعوا على أصول
معينة وفارقوا المسلمين ولهم اسمهم الخاص.
والجواب على
ذلك أن أهل السنة هم الامتداد الطبيعي لجيل الصحابة ومن بعدهم فهم من حفظ علمهم
ونقله إلى من بعدهم، فقراء القرآن وحفاظ الحديث وعلماء الفقه والأصول وغيرهم هم من
أهل السنة، وهم في الأصل لا يعرفون بوصف ولا يرسمون برسم، وإنما سموا بأهل السنة
لأنهم حفاظها ودعاتها،والعاملون بها بخلاف الآخرين ممن ردها وقعد القواعد لذلك،
والجماعة لأنهم الداعون إلى وحدة الأمة، المحافظون عليها، ولحديث " فإنه من يعش
منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي"[11]
وللأحاديث الآمرة بالاجتماع وقد "جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله،
أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله . قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا
بالله، سل. قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا
جهمي، ولا قدري، ولا رافضي".
فهذه التسمية –إذن-
لا ترتبط بأصل، فالخوارج سموا بهذا الاسم لخروجهم على الإمام ودعوة الناس إلى هذا
الخروج مع ما انضاف إلى ذلك من بدع، والمعتزلة سموا بهذا الاسم لأنهم اعتزلوا
الناس فجعلوا لهم دروسهم الخاصة مفارقين بذلك علماء الإسلام، كما أن هذه الفرق
تنقم على من أثنى عليهم القرآن والسنة وهم صحابة رسول الله المبلغين دين الله، بل
ويردون النصوص الصريحة في القرآن والسنة تبعا لأهوائهم بل يتمنى بعضه أن يحك آية
من كتاب الله لأنها ترد عليه مذهبه السيئ وهذا كله بخلاف أهل السنة.
سادسا: الابتداع العقدي وتفريق الأمة:
قبل الخوض في
هذه النقطة لا بد أن نبين كيفية إظهار أثر الاختلاف العقدي على وحدة الأمة، وقد
اعتمدنا في محاولة معرفة هذا الأثر على معيارين أظن أنهما يجليان هذه المسألة
وهما:
المعيار
التأصيلي وأعني به تأصيل الفرق لبعض الأصول المخالفة لعقيدة المسلمين، والتي تدعو
إلى الفرق الثقافية والسياسية والتي من خلالها نستطيع معرفة مدى اهتمام هذه الفرق
بالوحدة والألفة، ونعرف مدى انسجام بعض أفكارها مع هذه القاعدة العظيمة، بحيث إنه
إذا كانت تحوي ما سبق يظهر أن الاختلاف العقدي لا يؤثر على وحدة الأمة أو أن الأمر
بخلاف وذلك.
والمعيار
الثاني هو المعيار التاريخي إذ إن الكثير من الاعتقادات لا بد وأن تجعل أصحابها
ينصاعون لها ولو في فترات بحيث تظهر أثر هذه العقائد إما في جوانب السلب والإيجاب
كما أن التاريخ يعكس الأفكار في وقائع.
- المعيار التأصيلي:
سأكتفي هنا
بذكر شذرات نظرا لضيق المقام ذاكرا بعض الفرق مع بعض عقائدها:
1- الخوارج: فمن المسلم به أن الخوارج فرقة خرجت على
الخليفة الثالث عثمان بن عفان وفعلت به ما فعلت[12]،
ثم كفرت عليا ومعاوية وجلة من الصحابة بعد ذلك ودعت إلى الخروج على الخليفة
الرابع، ولهذا من عقائدها تكفير السلطان وجيشه، كما تكفر أهل الكبائر، وتميل إلى
الاستقلال وتدعو إلى تولية خارجي مثلهه يحمل أفكارهم وإلا فالحرب هو الحل الوحيد.
وفي سبيل تحقيق هذه العقيدة عاثوا في الأرض فسادا وعانت الأمة منهم الأمرين
مدة طويلة من الزمن.
ومن الأصول التي قال بها الكثير من الخوارج الهجرة أي يتوجب على من يحمل
عقيدتهم أن يهاجر من دار الكفر أي ديار المسلمين إلى دار الإسلام إي ديارهم، وأن
من قعد عن الهجرة فهو كافر.
2-
الشيعة:
سميت الشيعة بهذا الاسم لمشايعتها عليا ضد معاوية رضي الله عنهم وهذه
التسمية لا تدل على المعتقد الذي تحمله هذه الفرقة لأن التشيع لعلي والاعتقاد بأنه
أولى بالحق من معاوية هو مذهب أهل السنة، ولما كان الأمر كذلك فأليق الأسماء بهم
ما سماهم به الإمام زيد بن علي فـ"قد خرج وبايعه خلق من الكوفة وحضر إليه كثير
من الشيعة فقالوا له ابرأ عن الشيخين ونحن نبايعك فأبى فقالوا إنا نرفضك فقال اذهبوا
فأنتم الرافضة فمن حينئذ سموا الرافضة"[13].
وللشيعة أصول وتنظيرات تدعو إلى الفرقة من أهمها تكفير المخالف مع ما يجره
هذا من تنظيرات تدعو للفرقة والخروج على أئمة المسلمين، كما أنهم يتفقون مع
المعتزلة في كثير من أصولهم والتي سيأتي بيانها.
ومن الأصول الشيعية المؤدية للفرقة أصل الإمامة، ويعنون به عصمة الأئمة
الإثني عشر وخلافتهم، ولا يعترفون بأي خليفة آخر مع أن معظمهم لم يكن خليفة قط بل
كان شديد البعد عن الخلافة والمطالبة بها كجعفر الصادق رضي الله عنه.
3-
المعتزلة:
بدأت هذه الفرقة مع واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري والذي خرج من حلقته
عندما لم تعجبه عقيدة التوحيد في مرتكب الكبيرة، وللمعتزلة أصول خمسة هي:
-
التوحيد ويعنون به نفي صفات الباري سبحانه.
-
العدل، ويعنون به أن أفعال الإنسان من خلقه وأن الله لم يخلقها.
-
المنزلة بين المنزلتين، أي كفر مرتكب الكبيرة في الآخرة دون الدنيا.
-
الوعد والوعيد ويعنون به وجوب معاقبة الله للعاصي والكافر وإثابة المؤمن.
-
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي الخروج على الحاكم الجائر
فبهذه الأصول
فارق المعتزلة المسلمين من أول يوم خرج فيه واصل ابن عطاء عن حلق الحسن البصري
التابعي الجليل، فبخروجه هذا وتفريقه لتلاميذ الحسن ولمن حضر معه أظهر حقيقة شق
الصف المسلم وإحداث شرخ فيه زاد اتساعا مع قابل الإيام.
سابعا: قراءة في الأصول البدعية:
لو لم تفاصل هذه الفرق الأمة بتأصيل الأصول البدعية المخالفة لما كان عليه
المسلمون من السلف الصالح فمن بعدهم لما صح أن تنقسم الأمة إلى فرق وشيع تخالف
بعضها بعضا، وهذه المفارقة التنظيرية هي التي حددت معالم الفرق وما تحمله من أفكار
ومعتقدات قد تكون في أحيان كثيرة مصدر قلق من بقية المسلمين.
والذي يلاحظ أن هذه الفرق البدعية كثيرا ما ترفع سيف التكفير على كل من
يخالفها ولو في مسائل قد تكون أحيانا مسائل
كونية لا علاقة لها بالعقيدة من قريب ولا بعيد، وهذا بخلاف ما عليه أهل
السنة من الاحتياط فيه، والتفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، واعتبار الأعذار
كالجهل والخطأ والتأويل وغيرها، فأهل السنة لا يكفرون إلا وفقا لمعايير وضوابط
تضيق دائرته، وهذا بخلاف الفرق البدعية التي كثيرا ما تكفر لأتفه الأسباب،
كالتكفير –مثلا- بسبب إنكار إمامة إمام ونحو هذا من الغرائب والعجائب.
والمشكلة أن الأمر لا يتوقف عند ابتداع الأصول البدعية المفارقة للأمة وتكفير المخالف فيها بل يتعدى الأمر إلى ما هو
أعظم إذ يفرعون عليه أحكام الكفار الأصليين بل يعتبرون المخالف أكفر من الأصليين
فيحكمون بإباحة دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم، وجواز اغتيابهم ونفاقهم،
وقذفهم، ويحرم عليهم تغسيل موتى المسلمين من غيرهم والصلاة عليهم، وإذا صلوا عليه
لعنوه بدل الدعاء عليه، والكذب عليهم بل وبالأيمان المغلظة.
فأنت تلاحظ أن تلك الأصول وما تفرع عليها قد جعلت كل فرقة تنابذ الأخرى
العداء وتتربص بها الدوائر ولا مانع لديها أن تخون أمتها ودينها.
ومن الأصول البدعية الداعية إلى الفرقة وتفرق الشمل أصل الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، والذي اشتهر به المعتزلة وتبعهم فيه الرافضة والذي يعنون به
وجوب الخروج على الحاكم المسلم إذا كان جائرا وينبغي أن تعلم أن المراد بالجائر
هنا من كان على مذهبهم أما من ليس كذلك فليس بمسلم أصلا، ومن هنا تعلم مقدار
الكارثة الذي يعنيه هذا الأصل، إذ هو يدعو المعتزلة مثلا بوجوب الخروج وسفك الدماء
لجور حاكم هم مختلفون على تحديد معالم هذا الجور مما ترك مجالا للأهواء لتلعب في
هذا التحديد.
وقد جر هذا الأصل إلى ويلات كثيرة خاصة في المناطق التي كانت تعتنق هذه
العقيدة كما في بعض جبال اليمن، إذ كان يجتمع في المنطقة الواحدة أئمة!! كل يدعو
لنفسه ويرسل دعاته بحجة جور الحاكم أو غيرها من الحجج، مما سبب تشرذما وتفرقا
مقيتا.
ومن الملاحظات
المهمة في هذا الإطار هو التشرذم والتشظي الكبير لهذه الفرق وغيرها فتجد الفرقة
الواحد أحيانا تنقسم انقساما بكتيريا لتصبح فرقا يصعب عدها أو حصرها،وتستغرب من
أسماء هذه الفرق وكأنك تسمع رقيا العقرب، ويزداد الغلو ببعض هذه الفرق حتى تخرج من
دائرة الإسلام، فالقدرية المعتزلة افترقت عشرين فرقة! كل فرقة منها تكفر سائرها! وهي:
الواصلية والعمرية والهذيلية والنظامية، والأموارية، والعمرية، والثمامية والجاحظية،
والحايطية، والحمارية، والخياطية والشحامية وأصحاب صالح قبة والمويسية والكعبية والجبائية
والبهشمية فهي ثنتان وعشرون فرقة، ثنتان منها ليستا من فرق الاسلام وهما الحايطية والحمارية[14].
وافترقت الخوارج
عشرون فرقة: المحكمة الاولى، الأزارقة، والنجدات، والصفرية، ثم العجاردة المفترقة فرقا
منها: الخازمية والشعيبية والمعلومية والمجهولية وأصحاب طاعة لا يراد الله تعالى بها
والصلتية والأخنسية والشيبية والشيبانية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والخمرية والشمراخية
والإبراهيمية والوافقة، والإباضية منهم افترقت فرقا معظمها فريقان حفصية وحارثية فأما
اليزيدية من الأباضية والميمونية من العجاردة فانها فرقتنا من غلاة الكفرة الخارجين
عن فرق الأمة[15].
وافترقت الرافضة
بعد زمان علي رضي الله عنه أربعة أصناف: زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة، وافترقت الزيدية
فرقا، والإمامية فرقا، والغلاة فرقا وهذه الفرق تعد بالعشرات!!وكل فرقة منها تكفر سائرها،
وجميع فرق الغلاة منهم خارجون عن فرق الإسلام[16].
فبين فرق
المعتزلة والخوارج والرافضة من الاختلاف الكثير حتى إن بعضهم ليكفر الآخر بل قد
يكفر التلميذ أستاذه
إذن يظهر لنا بجلاء أن الفرق البدعية قد تسبب في الإطار النظري بتفريق
الأمة من ناحيتين: ناحية المفارقة والمخالفة لعقائد وأصول الدين كما بينه لنا
الصحابة وتابعوهم، ومن ناحية تأصيل الخروج على جماعة المسلمين بالسيف وإن لم يكن
فبالنفاق والمراوغة والتي يسمونها أحيانا بغير اسمها.
المعيار التاريخي:
بعد ظهور الجانب النظري نريد ان نعرف أثر هذا التأصيل في الواقع بمعنى هل
كانت هذه الفرق مصدر أمن واطمئنان للأمة، أم كانت مصدر قلق ونكبة وشقاء، هل نتج عن
تلك العقائد والأفكار التي اختزنتها السطور والصدور أفعال تعكس ما في هذه الكتب من
أصول وفتاوى بدعية، وهل تسببت هذه الفرق في تفريق صف المسلمين وتشتيت شملهم أم أن
الأمر مقصور على الجانب النظري فحسب.
لا شك -أولاً- أن التاريخ مدرسة كبيرة يستفيد منها الجميع لما يحمله من
دروس وعبر والتي منها الدروس المتعلقة بأثر الفرق البدعية في مسيرة هذا التاريخ
لهذه الأمة المحفوظة بحفظ الله سبحانه.
ومن المعلوم ثانيا أن من يحمل فكرا ولو لم يجد من يؤيده في حاضره فسيجد من
يعتنق أفكاره ويروج لها وينظر لها ويسعى كل السعي لتطبيقها، وأن الأفكار مهما بقت
حبيسة الأدراج والأذهان ومهما حاول أصحابها إخفاءها والتنصل منها إلا أنه سيأتي
يوم إن لم تكن أيام تتجسد فيه كل الكلمات والمعتقدات.
ومن الضروري -ثالثا- ونحن نرجع إلى التاريخ لمعرفة تأثير هذه المعتقدات على
اتباعها ومدي ضربها لوحدة الأمة في العمق أن نلاحظ معطيات الزمان والمكان والأفكار
أيضا، يوضح هذا أننا لا يمكننا أن نقتطع فترة استقرار عمت هذه الفرقة أو تلك بحيث
لم تضر بأحد بعيدا عن معرفة مدى ضعف وقوة هذه الفرقة، ومدى وجاهة وسلطة هذه الفرقة
أو تلك سواء زمانيا أو مكانيا، إذ إن لفترات الضعف أحكامها وسياساتها الخاصة بخلاف
فترة القوة والسلطة والتمكن والتي تظهر فيه العقائد المدفونة والأفكار التي لطالما
انتظرت هذه الفرصة، وهذه الفترة هي الحرية بتسليط الضوء عليها.
ولضيق المقام سأكتفي بذكر وقائع تاريخية انطلقت من الأصول البدعية محاولة
تطبيقها والتي أدت في نهاية المطاف إلى ضرب دولة الإسلام ووحدتها في العمق.
أ- بدأ الخوارج مآسيهم بشق عصا الطاعة والخروج على أمير
المؤمنين علي ابن أبي طالب وسبوه ولعنوه وكفروه ثم بعد ذلك كفروا الخارجين معه
و"كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس على غفلة فينادون لا حكم إلا
لله ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا وكان الواحد
منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يقتل فكان الناس منهم على وجل وفتنة"[17]
ثم إنهم اعتزلوا الناس ونصبوا أحدهم أميرا عليهم وجيشوا الجيوش وقتلوا وسبوا نساء
المسلمين وأفسدوا أيما إفساد الأرض.
ب- خرج الخوارج على الأمة خروجات كثيرة شقوا فيها عصا
الطاعة واستباحوا كل شيء منها المحكمة الأولى وبعد هزيمتهه خرج على علي بعد ذلك من
الخوراج جماعة كانوا على رأي المحكمة الأولى منهم أشرس بن عوف وخرج عليه بالأنبار رجل
من تيم عدى خرج عليه بماسيذان والأشهب بن بشر العرنى خرج عليه بحر جرايا وسعد بن قفل
خرج عليه بالمدائن، وأبو مريم السعدى خرج عليه في سواد الكوفة.
فأخرج علي إلى
كل واحد منهم جيشا مع قائد حتى قتلوا أولئك الخوارج ثم قتل على رضي الله عنه في تلك
السنة 4 في شهر رمضان سنة ثمانى وثلاثين من الهجرة فلما استوت الولاية لمعاوية خرج
عليه وعلى من بعده وهكذا[18]
ت- كان القاضي ابن أبي دؤاد ممن نشأ في العلم وتضلع بعلم
الكلام، وكان معظما عند المأمون، فدس له القول بخلق القرآن وحسنه عنده، فأجمع
المأمون في 218هـ على الدعاء إليه وحينها بدأت المحنة المشهورة بمحنة خلق القرآن
فأرسل المأمون إلى الولاة أن يمتحنوا الفقهاء والمحدثين ويرغموهم على القول بخلق
القرآن فأجاب بعضهم خوفا من السيف كابن معين وغيره، وسجن في هذه الفتنة الكثير من
الأئمة أشهرهم الإمام أحمد فقد سجنه المعتصم وعذبه والإمام صامد فلان المعتصم
فهيجه ابن أبي دوءاد على الإمام أحمد فكان يأتي بأشد الجلادين ويأمر كل واحد أن
يضرب الإمام سوطين ثم يتنحى ثم يأتي الذي يليه وهكذا، ولم يقتصر الأمر على التعذيب
والسجن بل تعداه إلى القتل فقد جيء بالأستاذ أحمد بن نصر الخزاعي إلى الواثق
وامتحنه بخلق القرآن فلم يجبه فقال أحد الحاضرين هو حلال الدم، فكفره الواثق في
المجلس وأخذ سيفه وقطع عنق الأستاذ أحمد بن نصر الخزاعي في سبيل بدعة لا تمت إلى
الإسلام بصلة[19].
هذا ما فعله المعتزلة حين تسنموا السلطة وأصبح لديهم شيء من الجاه الفاني.
ث- لقد كان غزو التتر لبلاد المسلمين من النكبات العظمى التي
حلت بالأمة إذ قضي على دولة الإسلام وقتل ما يقارب المليون شخص، وخربت المدينة عن
بكرة أبيها ثم ما تبع ذلك من قتل وتخريب لبلاد الشام، وتستغرب كل الاستغراب عندما
يظهر لك أن عقيدة بدعية حملها شخص ماكر تلبس بلبوس النصح والولاية كانت السبب في
كل هذا الدمار والخراب، إنه ابن العلقمي الرافضي والذي كان وزيرا للمستعصم واستطاع
إخفاء عقيدته الرافضية، والذي قام بمراسلة هولاكو ملك التتر وطلب منه المجيء إلى
بغداد لخلع الخليفة العباسي، ولم يكتف بخيانته العظمى والتي عقابها القتل في
التشريعات والقوانين .
فقـد اتخذ ابن العلقمـي سياسة خبيثة – في إضعـاف جيش الخلافـة ساهمت في
دخـول التتـر بغـداد دون مقاومـة تذكـر، إذ اجتهد قبل مجيء التتـر في صرف الجيـوش
وإسقاط اسمهم من الديـوان وصرفهم عن إقطاعاتهم، ونجح في ذلك إذ كانت العساكـر في
آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف – منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر
الأكاسـر – فلم يزل ابن العلقمـي مجتهدا في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشـرة آلاف
في أواخـر أيام المستعصم[20]، وبلغت حالة
الجيش وعساكر الخلافـة بالذات مبلغا من الـذل والهـوان، حتى استعطى كثير منهم في
الأسواق وأبواب المساجـد[21].
والحوادث والفواجع من هذا الطراز كثيرة، وتاريخنا مليء بنكبات من هذا
النوع، ومن هنا يظهر لنا بجلاء مقدار الجنايات الكبرى والنكبات العظمى التي سببتها
هذه الفرق سواء على الجانب الثقافي والفكر والانسجام العقدي للأمة أم على المستوى
السياسي والوحدة الجغرافية للدولة الإسلامية.
ثامنا: أهل السنة وتوحيد الأمة:
إزاء هذه الدعوات البدعية التي أدت إلى تشظي الأمة لفترات قد تطول وقد
تقصر، كان أهل السنة هم المنادون لتوحيد الأمة متبعين في ذلك أوامر الشرع الشريف
الداعية إلى الوحدة والإتلاف والناهية عن الفرقة والاختلاف والتي جاءت بكيفيات
متنوعة:
1- بالأمر بالاتحاد والنهي عن الفرقة كقوله تعالى:)واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا( [آل عمران103].
2- جعل التفرق من سمات اليهود والنصارى ونهانا عن التشبه
بهم فقال: )وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا
جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( [آل
عمران105]
3- وقال سبحانه: )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ
شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ
يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ( [الأنعام159]
4- ووصف المختلفين فيما أنزل الله بأنهم بعيدين عن الحق
كقوله تعالى:
)ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ( [البقرة176]
5- عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "عليك بالجماعة فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية"[22].
6- عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يد
الله مع الجماعة"[23].
ويتجلى هذا في
جانب التقعيد والتأصيل والذي أظهر فيه أهل السنة تسامحا واضحا مع المخالف، فهم لا
يكفرون كل مبتدع، وإذا ما حكموا بالكفر فإنما يكفرون المطلق أما في تنزيله على
الأشخاص فقد وضعوا له ضوابط ومعايير، ضيقت منه.
كما أن أهل السنة
لم يبتدعوا البدع ثم يكفرون الناس بسببها، بل هم متبعون يشهد بهذا تراثهم العقدي
المبني على المأثور، وهذا بخلاف الآخرين الذي يبتدعون البدعة ثم يكفرون مخالفيهم
على أساسها.
كما يتجلى هذا
في الجانب التاريخي فقد رأينا سابقا كيف أن بعض الفرق عندما وجدت متنفسا لها وشيئا
من السلطة والجاه كيف لم تتورع في تفريق الأمة وفرض بدعها عليها، بل حملت بعض هذه
الفرق السلاح عندما أكبروا أنفسهم وأحسوا بشيء من السطوة.
وهذا كله
بخلاف أهل السنة فهم أرحم الناس بالناس وأرفق الخلق بالخلق، لم لا والرحمة والرأفة
من صفات الله ورسوله فهم "يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع
الأمراء -أبرارًا كانوا أو فجارًا-، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة
للأمة"[24].
فلم يعلم عنهم
أنهم أعلنوا الخروج بالسيف على خلفاء المسلمين، ولم يتسببوا يوما فيهدم ديار
المسلمين، وأيديهم بيضاء نقية عن أن تلامس يد عدو لخيانة المسلمين وولاتهم.
لقد كان أهل السنة في طليعة الموحدين لهذه
الأمة، رغم أن القوة والسلطة كانت لهم غالبا وأنت عندما تقرأ التاريخ تجد أن بعض
الفرق البدعية بمجرد أن تستولي على بقعة من الأرض حتى تنفصل عن الخلافة وتكيد لها
وتمارس التمييز والتفريق قولا وعملا، وتتولى كبر الإثم بإيذاء أهل الإيمان، في حين
نجد العكس تماما عند أهل السنة فالدولة الأيوبية وحدت بلاد الشام ومصر وجعلتها
تابعة للخلافة في بغداد بعد أن اختطف الباطنية بلاد الكنانة وأعلنوا خلافتهم
الباطنية، وبالرغم من ضعف الخلافة في بغداد إلا أن هذا لم يمنع صلاح الدين أن يعلن
تبعيته للخليفة العباسي، ومثل هذا الكثير من الدويلات التي كانت في بعض فترات
الضعف كانت تحاول البقاء ضمن الدولة الإسلامية الكبيرة، والانتساب إليها، في حين
نجد النكران للخلافة والوحدة، بل ويدعون إلى الخروج عليها بل والزعم بوجوب هذا
الخروج من قبل بعض الفرق البدعية.
وأخيرا أختم
بهذا الحديث العظيم: عن العرباض رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب
فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ فقال " أوصيكم
بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا،
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم
ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "[25].
نسأل أن يجمع
شمل المسلمين على شرعه وأن يوحد قلوبهم على طاعته، وأن ينصرهم على أعدائهم.. آمين.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات