-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 9 فبراير 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

محرمات العلاقة الزوجية الواردة في القرآن الكريم (2)



حرمة الرفث في الحج والعمرة

والآية التي بصدد هذا الموضع هي قوله تعالى: ]الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[ (البقرة:197).
الفرع الأول: تعريف الرفث:-
الرَّفَثُ، محركةً: تأتي لغة لمعاني:-
1.                         الجِماعُ.
2.                         الفُحْش من القول .
3.                          كَلامُ النِّساءِ في الجِماعِ.
4.                          ما وُوجِهْنَ به من الفُحْش
5.                         ما يكون بـين الرجل وامرأَته من التقبـيل والـمُغازلة ونـحوهما، مـما يكون فـي حالة الـجماع.
6.                         التعريض بالنكاح.
7.                         وقيل :الرَّفَثُ: كلـمة جامعة لكل ما يريده الرجلُ من الـمرأَة.
 وأَصل الرفث قول الفُحْش ([1]).
الفرع الثاني:تفسير الرفث في الآية.
اختلف المفسرون في معنى الرفثالمنهي عنه في الحج على أقوال هي:-
1)             الجماع، وعليه الجمهور([2]).
2)    الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم روي هذا عن عبد الله بن عمر .
3)             التعريض بذكر الجماع.
4)             وقال طاووس([3]):"هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك" وكذا قال أبو العالية([4]).
5)             الإفحاش في الكلام.
6)             اللغا من الكلام([5]).
والذي يظهر رجحانه هو القول الأول لما يلي:-
1.             لأن عليه الجمهور.
2.    نعم أطلق الرفث أولاً على الإفحاش في الكلام لكنه نقل إلى ما كان منه بحضرة النساء ثم جعل كناية عن الجماع وما يتعلق به .
3.    أننا إذا فسرنا القرآن بالقرآن، وهو االمرتبة الأولى في التفسير فإن الرفث قد ورد في موضع آخر بمعنى الجماع قال تعالى: ] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[ (البقرة:187).
 فالرفث هنا الجماع" بلا شك فيحمل عليها الرفث في آية الحج"([6]).
4.    أن الكلام القبيح يدخل في عموم الفسوق وقد ذكر،فدل على أن ارفث هنا غره وهو الجماع ،والتأسيس أولى من التأكيد.
الفرع الثالث: حكم الرفث في الحج والعمرة:-
لقد جاء النهي عن الرفث (والفسوق والجدال)  في قوله تعالى: ]فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [نهياً بصيغة النفي، وهذا آكد ما يكون من النهي([7]).
"فهو دليل على المنافاة بين الحج والجماع، فإذا وجد الجماع فسد الحج، وعليه المضي في الفاسد، والقضاء من قابل، على هذا اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه من شرع في الإحرام لا يصير خارجاً عنه إلا بأداء الأعمال، فاسداً كان أو صحيحاً"([8]).
ولهذا "يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء"([9]).
قال في المهذب:" وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ المُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ؛ لاًّنَّهُ إذَا حَرُمَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ، فَلأَنْ تَحْرُمَ المُبَاشَرةُ وَهِيَ أَدْعَى إلَى الوطْءِ، أَوْلَىٰ"([10]).
وقد" سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عما يحل للمحرم من امرأته، فقالت: يحرم عليه كل شيء إلا الكلام"([11]).
هذا والآية وردت في شأن الحج، ولكن العلماء"قاسوا العمرة على الحج"([12]).
كان ماسبق هو حكم الذاكر أما الناسي ففي إبطال حجه وعمرته قولان:_
                       أ‌-                  أن الذاكر والناسي سواء في بطلان حجهما وعمرتهما، وهذا مذهب الأحناف.
قال في المبسوط:" الناسي عندنا يفسد نسكه بالجمع، ويلزمه ما يلزم العامد، إلا أنه لا يأثم بعذر النسيان"([13])، وهو قول الشافعي في الجديد ولكنه ضعيف عند اصحابه([14]) واستدلوا لهذا القول بما يلي:-
1.             "أن هذا الحكم تعلق بعين الجماع، وبسبب النسيان لا ينعدم عين الجماع"([15]).
2.  "أنه قد اقترن بحالة ما يذكره، وهو هيئة المحرمين، فلا يعذر بالنسيان كما في الصلاة إذا أكل أو شرب بخلاف الصوم، فإنه لم يقترن بحالة ما يذكره، فجعل النسيان فيه عذراً في المنع من إفساد الصوم بخلاف القياس"([16]).
3. علله الشافعي في الجديد بأنها"عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإفْسَادِهَا الكَفَّارَةُ، فَاخْتَلَفَ فِي الوَطْءِ فِيهَا العَمْدُ وَالسَّهْوُ، كَالصَّوْمِ"([17]).
                    ب‌-                لا يبطل حج وعمرة الناسي، وهذا مذهب الشافعية([18])ودللوا لقولهم بما يلي:-
1.             قياساً على الصيام.
2.             "لاًّنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ الحَجِّ، فَاسْتَوى فِيهِ العَمْدُ وَالسَّهْوُ؛ كَالفَوَاتِ"([19]).
ولا فرق بين ما قبل الوقوف وبعده عند الجمهور واستدلوا بما يلي:-
1.    أن أقوال الصحابة في فساد حج من وقع بامرأته مطلق فيمن واقع محرماً منها ماجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت بامرأتي، ونحن محرمان؟
 فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس، فاقضوا ما يقضون وحل إذا حلوا، فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هدياً، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم".
قال ابن قدامة([20]):"وكذلك قال ابن عباس وعبد الله بن عمرو، ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفاً"([21]).
2.             أنه جماع صادف إحراماً تاماً، فأفسده كما قبل الوقوف.
وخالف أبو حنيفة فقال: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد واستدل بما يلي:-
1.    قول النبـي صلى الله عليه وآله وسلم  «الحج عرفة»([22]) "وبالاتفاق لم يرد التمام من حيث أداء الأفعال فقد بقي عليه بعض الأركان، وإنما أراد به الإتمام من حيث إنه يأمن الفساد بعده"([23]).
2.    حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا جامع قبل الوقوف فسد نسكه، وعليه بدنة، وإذا جامع بعد الوقوف فحجته تامة وعليه دم([24]).
3.              "ولأنه معنى يأمن به الفوات، فأمن به الفساد كالتحلل"([25]).
ورد عليه الجمهور فقالوا "قوله عليه السلام: «الحج عرفة» يعني معظمه، أو أنه ركن متأكد فيه، ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد بدليل العمرة"([26]).
الترجيح: من خلال سوق أدلة كلا القولين تبين رجاحة القول الأول، وأن ما استدل به الأحناف لا ينهض لمقامة أدلة الجمهور، خاصة وأنهم استخدموا فيه قياساً لا يصح، وهو ما يسميه الأصوليون : قياس مع الفارق والله أعلم.


([1])     ينظر لسان العرب (2/153) والقاموس المحيط (218) م رفث، ومعجم مقاييس اللغة (2/421).
([2])  ينظر المغني (3/211)  والتمهيد لأبي عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر النمري (19/55) تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387هـ.             
([3])     هو:طاووس بن كيسان الفقيه القدوة، اليمني الجندي الحافظ، سمع من زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة وزيد بن أرقم،ولازم ابن عباس مدة، وهو معدود في كبراء أصحابه، وحديثه في دواوين الإسلام ، وهو حجة باتفاق مات سنة6هـ (سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (5/44) تحقيق : شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413ه)ـ.   
([4])     هو: أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري ، أدرك وأسلم بعد الوفاة بسنتين قال أبو بكر بن أبي إدريس: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية ، مات في شوال سنة اثنتين وتسعين وقيل ثلاث وتسعين وقيل ست ومائة وقيل إحدى عشرة ومائة (طبقات الحفاظ  29).
([5])     ينظر تفسير ابن كثير (1/237) وفتح القدير لمحمد بن علي الشوكاني (1/230) دار ابن كثير ودار الكلم الطيب ، دمشق بيروت ، ط1، 1414هـ-1994م.
([6])   شرح الزرقاني على الموطأ لمحمد بن عبد الباقي (2/448) دار الكتب العلمية ، بيروت، ط1، 1411هـ.             
([7])  ينظر المبسوط (4/3)            
([8])  المبسوط (4/52)             
([9])     تفسير ابن كثير (1/237)
([10]) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (1/250) دار إحياء التراث العربي.             
([11]) بدائع الصنائع للكاساني (3/145) دار الفكر.              
([12]) الإقناع  للخطيب الشربيني (1/205) دار الكتب العلمية ، 1994م.            
([13]) المبسوط (4/120) و ينظر بدائع الصنائع (3/1945)              
([14])  ينظر المجموع ( 7/167) والمهذب (1/250)              
([15]) المبسوط ( 4/120)
([16]) المصدر السابق (4/120) وينظر( 2/470) منه.
([17])  المهذب (1/250)              
([18])  ينظر المجموع (7/186) والاقناع (1/205 )             
([19])  المهذب (1/250)              
([20]) هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل ثم الدمشقي الصالحي، الفقيه الزاهد كان إماماً في عدة فنون، من أهم مؤلفاته المغني والذي شرح فيه مختصر الخرقي (المقصد الأرشد لإبراهيم بن مفلح  (2/19) تحقيق:عبدالرحمن العثيمين، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1990م)
([21]) المغني (3/334)
([22]) أخرجه محمد بن عيسىالترمذي في سننه (3/237) تحقيق:أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وابن ماجة (2/1003)، والبيهقي في الكبرى (5/173) ومحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري في المستدرك (1/635) تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1411هـ-1990م.
([23])المبسوط (4/53)
([24]) لم أعثر عليه، وذكره في المغني (3/334).
([25]) المغني (3/334) وينظر المبسوط (4/53)
([26]) المغني (3/334)

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015