محرمات العلاقة الزوجية الواردة في القرآن الكريم (1)
الفرع
الأول:تعريف المباشرة والاعتكاف:-
أولاً:تعريف
المباشرة:-
المباشرة مأخوذة من
البشرة ،يقال:باشَرَ الرجلُ امرأَتَه مُباشَرَةً وبِشاراً: كان معها فـي ثوب واحد
فَوَلِـيَتْ بَشَرَتُهُ بَشَرَتَها. وفـي الـحديث: أَنه كان صلى الله عليه وآله
وسلم يُقَبِّلُ ويُباشِرُ وهو صائم([1])؛
أَراد بالـمباشَرَةِ الـمُلامَسَةَ فمُباشرةُ الـمرأَة: مُلامَسَتُها.
وقد يرد بمعنى الوطء فـي الفرج وخارجاً منه([2])،
واستعمل لفظ المباشرة في القرآن كناية عن الجماع في قوله تعالى:]فَالآنَ
بَاشِرُوهُنّ[(البقرة: من
الآية187).
ثانياً:تعريف
الاعتكاف لغةً واصطلاحاً:-
أ-لغة: "أصل
الاعتكاف في اللغة-هو-اللبث والحبس والملازمة"([3])
وقيل لزوم الشيء وحبس النفس عليه([4])براً
كان أو إثماُ للآية الآتية([5]).
وقيل: هو المواظبة
والملازمة ومنه قوله تعالى:]يَعْكُفُونَ عَلَى
أَصْنَامٍ لَهُمْ[(لأعراف: من الآية138) والمقام الاحتباس ومنه
الاعتكاف الشرعي([6]).
قال في معجم مقاييس
اللغة:"العين والكاف والفاء أصل صحيح يدل على مقابلة وحبس يقال:عكف بعكف
ويعكف عكوفاً، وذلك إقبالك على الشيءلا تنصرف عنه، والعاكف: المعتكف، والمعكوف
المحبوس، يقال: مال عكفك عن كذا ؟ أي ما حبسك ؟ قال تعالى: ]وَالْهَدْيَ
مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه[(الفتح: من
الآية25)" ([7]).
ب- شرعاً:
هو"حبس النفس في المسجد عن التصرف العادي بالنية"([8])
وقيل: "المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة"([9]).
وبناءً عليه فعلاقة التعريف
الشرعي باللغوي علاقة الخاص بالعام، وبما أن الأصل اللغوي للاعتكاف هو
اللزوم"سمي الاعتكاف الشرعي اعتكافاً لملازمة المسجد".
الفرع
الثاني:الآية وسبب النزول:-
الآية التي بصدد هذا
الموضوع هي قوله تعالى: ]وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا
[(البقرة:
من الآية187).
وسبب نزولها فقد
اختلفت الروايات عن ابن عباس وغيره من مفسري التابعين في تحديد سبب النزول إلى
روايات معممة وأخرى مخصصة وسنذكر هذه الروايات فيما يلي:-
· عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنهم" كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع
امرأته ثم اغتسل ثم رجع إلى اعتكافه فنهوا عن ذلك"([10]).
· قال
مقاتل بن سليمان: "نزلت في علي و عمار بن ياسر وأبي عبيدة بن الجراح كان
أحدهم يعتكف فإذا أراد الغائط من السحر رجع إلى أهله فيباشر و يجامع و يغتسل و
يرجع فنزلت"([11]).
· عن
الضحاك بن مزاحم قال: "كانوا يجامعون وهم معتكفون حتى نزلت ولا تباشروهن و أنتم عاكفون في المساجد"([12]).
· عن
قتادة "كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف فلقي امرأته باشرها، فنهاهم الله عن ذلك و أخبرهم أن
ذلك لا يصلح حتى يقضي اعتكافه"([13]).
واخلاف
هنا هين لعدم التعارض؛ إذ يمكن أن ابن عباس علمه عن معينين مع عدم النفي عن غيرهم.
الفرع
الثالث: تفسير الآية:-
اختلف المفسرون في
معنى المباشرة هنا على قولين:-
1- الجماع فيكون
المعنى:ولا تجامعوهن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هذا في الرجل يعتكف
في المسجد في رمضان أو غيره، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً حتى
يقضي اعتكافه"([14]).
وقال الضحاك([15]):
"كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى:]
ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد[
أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد، ولا في غيره"([16])
.
2-الجماع والتقبيل
واللمس، فيشمل كل معاني المباشرة، روي هذا عن مالك بن أنس حيث قال:"لا يمس
المعتكف امرأته، ولا يباشرها، ولا يتلذذ منها بشيء قبلة ولا غيرها"([20]).
الفرع
الرابع:حكم المباشرة من المعتكف:-
وأما الحكم فقد حكى
ابن المنذر([21])"
أن الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول الله تعالى: ]
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [(البقرة:
من الآية187) فإن وطىء في الفرج متعمداً أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم"([22]).
فالمباشرة حرام على
المعتكف مطلقاً سواءٌ كانت في المسجد أم في غير المسجد، وذكر المساجد في الآية
للعادة لا للتقييد، إذ الاعتكاف في العادة يكون في المساجد([23]).
أما بالنسبة للتقبيل
واللمس فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوال:-
1. يبطل
الاعتكاف بالوطء ودواعيه مطلقاً، ذهب إلى هذا القول الشافعي في أحد أقواله،
مستنداً إلى عموم الآية([24])
فـ"المباشرة حقيقة في وضع البشرة على البشرة، فيعم كل ما يتحقق فيه هذا
المعنى، ولا يخرج عنه إلا بدليل"([25])
فهي مباشرة محرمة تفسد الاعتكاف، كما لو أنزل([26]).
2.
لا يبطل الاعتكاف
بالتقبيل واللمس إلا إذا أنزل، وهذا مذهب الأحناف والشافعية والحنابلة.
وقد علله الأحناف
بأنه في معنى الجماع قال في البدائع:" ولو باشر فأنزل فسد اعتكافه؛ لأن
المباشرة منصوص عليها في الآية.
وقد قيل في بعض وجوه التأويل إن المباشرةَ
الجماع وما دونه، ولأن المباشرة مع الإنزال في معنى الجماع فيلحق به.
وكذا لو جامع فيما
دون الفرج فأنزل لما قلنا، فإن لم ينزل لا يفسد اعتكافه لأنه بدون الإنزال لا يكون
في معنى الجماع لكنه يكون حراماً، وكذا التقبيل والمعانقة واللمس إنه إن أنزل في
شيءٍ من ذلك فسد اعتكافه، وإلا فلا يفسد ، لكنه يكون حراماً"([27]).
قال في
المنهاج:"وأظهر الأقوال أن المباشر بشهوة كلمس وقبلة تبطله إن أنزل وإلا
فلا"([28]).
وقال في
المغني:" فأما المباشرة دون الفرج. فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها، مثل أن
تغسل رأسه أو تفليه أو تناوله شيئاً... وإن كانت عن شهوة فهي محرمة... فإن فعل
فأنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل لم يفسد"([29]).
يتبين مما سبق أن
أصحاب هذا القول يفرقون في اللمس والتقبيل بين أن ينزل أو لا، فيبطل اعتكافه في
الأولى دون الثانية.
وقد استنبط أصحاب هذا
القول قولهم هذا من السنة والنظر، ومن خلال سوق حججهم يتبين وجه الاستدلال:-
1. قول
الله تعالى:] وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ
فِي الْمَسَاجِدِ [(البقرة: من الآية187)
2.
أن
النبـي صلى الله عليه وآله وسلم : "كان
يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله"([30]).
3. عن
عائشة رضي الله عنها قالت: "السنة للمعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة
ولا يمس امرأة ولا يباشرها"([31])،
و"المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها"([32]).
فحملوا الحديث الأول
على أن اللمس كان بغير إنزال،وحملوا الآية وحديث عائشة على من أنزل قال في
المغني:" لأنه لا يؤمن إفضاؤها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان
حراماً"([33]).
3- يبطل إذا كان بشهوة، وهذا مذهب المالكية.
قال في مدونة الفقه
المالكي:"فمن لمس امرأته بشهوة أو قبل أو جامع بطل اعتكافه...أما اللمس من
غير شهوة فلا يبطل الاعتكاف"([34]).
واستدلوا بما في
السنة من حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وهي حائض وهو معتكف في المسجد.
4- لا يبطل مطلقاً
،وهذا أحد أقوال الشافعي وقاسه- في قوله هذا- على الحج([35]).
سبب الخلاف:-
قال ابن رشد الحفيد([36])
مبيناً سبب الخلاف:" وسبب اختلافهم: هل الاسم المتردد بين الحقيقة، والمجاز،
له عموم، وخصوص؟ وهو أحد أنواع الاسم المشترك، فمن ذهب إلى أن له عموماً قال: إن
المباشرة في قوله تعالى: ]وَلاَتُبَاشِرُوهُنَّ
وأَنْتُم عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ[ ينطلق على الجماع.
وما
دون الجماع، ومن لم ير عموماً، وهو الأشهر الأكثر قال: يدل إما على الجماع، وإما
على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير
الجماع؛ لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معاً، ومن أجرى الإنزال
بمنزلة الوقاع فلأنه في معناه، ومن خالف فلأنه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة"([37]).
المناقشة والترجيح:-
الذي يظهر رجحانه هو
القول بعدم البطلان إلا إذا أنزل لما يلي:-
1. أن
ترجيل عائشة رضي الله عنها لشعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا شك أنه
سيفضي إلى أن تمس شيئاً من جسده صلى الله عليه وآله وسلم .
2. الذي
عليه محققوا الأصولين أن السنة تخصص القرآن، وبما أن الآية عامة تشمل الملامسة
بالبشرة والجماع، وسواء قلنا هو حقيقة في اللمس مجاز في الجماع أم غيره، فإن
السنة-وهو حديث عائشة- قد خصصت هذا العموم
فقصرت المباشرة على الجماع.
3. أن
المباشرة المجردة عن الإنزال لا تفسد الصوم والحج، فكذلك هنا نعم ذهب الشافعية
-تبعاً لأظهر أقوال الشافعي- أن اللمس يبطل الوضوء، ولكن هذا لا يلزم الأحناف؛
لأنهم لا يقولون بذلك، أما الشافعية فلهم أن يفرقوا بين المسألتين بأن آية الوضوء
والتي فيها ]أَوْ لامَسْتُمُ
النِّسَاءَ [(النساء: من الآية43) تدل على نقض للوضوء
باللمس، وهو لفظ شامل للجماع وغيره، ولم يخصصه شيء- من وجهة نظرهم- بخلاف ما نحن
فيه، فقد خصصته السنة.
ولكن الذي يفهم من
كلام الشافعية أن البطلان ليس بسبب الإنزال فقط، بل هو حكم له علة مركبة من
المباشرة (اللمس ونحوه) والإنزال، والدليل على ذلك أن الشافعية قالوا: "إذا
نظر أو تكفر فأنزل فإنه لا يبطل"([38]).
وهنا ينبغي أن نفرق
بين أقوال الفقهاء من ناحية أن الاعتكاف عند الشافعية لا يشترط فيه الصوم خلافاً
لغيرهم، ولكلٍ دليله.
وذكر الشافعيةً أن
التقبيل إذا كان بقصد الإكرام ونحوه، أو بلا قصد فلا يبطله إذا أنزل جزماً([39])
يظهر من هذا أن الشهوة أيضاً شرط ضروري في الإبطال، وعليه فإن العلة ثلاثية، عبر
عنها النووي في المنهاج فقال:"وأظهر الأقوال أن المباشرة بشهوة كلمس وقبلة
تبطله أن أنزل وإلا فلا"([40]).
([15])الضحاك
بن مزاحم البلخي، المفسر أبو القاسم كناه
ابن معين، وأما الفلاس فكناه أبا محمد، وكان يؤدب فيقال كان في مكتبه ثلاثة آلاف
صبي وكان يطوف عليهم على حمار، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة قيل مات سنة خمس ومائة وقيل سنة ست (ميزان
الاعتدال لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (3/446) تحقيق: علي معوض وعادل عبد
الموجود،دار الكتب العلمية ،بيروت،ط1،
1995م).
([17]) هو: أبو الحجاج مجاهد بن جبير، ويقال ابن جبر، وهو مكي قرشي
مخزومي، مولى السائب بن أبى السائب المخزومي، ولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن
الخطاب رضي الله عنهم ، قال مجاهد : عرضت القران الكريم على ابن عباس ثلاثين مرة،
وسمع من ابن عمر ، قال حصيف : كان أعلمهم بالتفسير مجاهد ، مات سنة ثلاث ومائة
.وقال أبو نعيم سنة ثتنين ومائة وقال ابن حيان : مات بمكة سنة ثنتين أوثلاث ومائة
وهو ساجد انظر ( التاريخ الكبير للبخاري (7/11)ترجمة رقم( 1805) وتهذيب الكمال (27/228)
ترجمة رقم( 5783) .
([18]) هو:قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري الأكمه،
أحد الأعلام، روى عن أنس وعبد الله بن
سرجس وخلق، وعنه أبو حنيفة، وخلق قال سعيد
بن المسيب: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة وقال أحمد: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لم
يسمع شيئا إلا حفظه، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها وكان من العلماء، وقال
غيره: كان يتهم بالقدر، ولد سنة ستين ومات سنة سبع عشرة ومائة (طبقات الحفاظ(55) لعبد الرحمن السيوطي دار
الكتب العلمية ، بيروت، ط1، 1403هـ).


اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات